حبيب الله الهاشمي الخوئي
214
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
و ( الزموا الأرض ) وهو كناية عن ترك النهوض إلى الحرب ( واصبروا على البلاء ) وأذى الأعداء ، لأنّ الصبر مفتاح الفرج واللَّه مع الصّابرين ( ولا تحرّكوا بأيديكم وسيوفكم وهوى ألسنتكم ) أي لا تحرّكوا شيئا منها لإثارة الفتنة وقد مضى في تفسيرها احتمالات أخر في بيان اعرابها فتذكَّر ، وأراد بهوى الألسنة هفوات اللَّسان وسقطات الألفاظ من السّب والشّتم والنميمة والغيبة ونحوها من فضول الكلام المهيجة للفتنة والفساد الناشئة من هوى الألسنة وميلها إليها باقتضاء هوى النفس الأمارة . ( ولا تستعجلوا بما لم يعجّله اللَّه لكم ) أي لا تسرعوا باتيان ما لم يفرض عليكم فيكون نسبة التعجيل إلى اللَّه من باب المشاكلة أو المراد ما لم يفرضه عليكم فورا بل متراخيا وبعد حين لفقدان شرطه أو اقتضاء المصلحة لتأخيره . قال الشارح المعتزلي : أمر عليه السّلام أصحابه أن يثبتوا ولا يعجلوا في محاربة من كان مخالطا من ذوى العقائد الفاسدة كالخوارج ، ومن كان يبطن هوى معاوية ، وليس خطابه هذا تثبيطا لهم عن حرب أهل الشام كيف وهو لا يزال يقرعهم ويوبّخهم عن التقاعد والابطاء في ذلك ، ولكن قوما من خاصّته كانوا يطلعون على ما عند قوم من أهل الكوفة ويعرفون نفاقهم وعنادهم ويرومون قتلهم وقتالهم ، فنهاهم عن ذلك ، وكان يخاف فرقة جنده وانتشار حبل عسكره فأمرهم بلزوم الأرض والصّبر على البلاء . وقال الشارح البحراني : الخطاب خاصّ ممّن يكون بعده ، فأمره بالصّبر في مواطنهم وقعودهم عن النهوض لجهاد الظالمين في زمن عدم قيام الامام بالحقّ بعده . واحتمل بعض الشارحين أن يكون الأمر بالصبر عند استدعاء الأصحاب لحرب أهل الشام أو الخوارج في زمان يقتضى المصلحة تركه وتأخيره . أقول : والأظهر ما قاله الشارح المعتزلي كما هو غير خفىّ على المتدبّر . وكيف كان فلما كان أمرهم بالصّبر والثبات موجبا ليأسهم مما كانوا يرجونه بالحرب من تحصيل السعادة والفوز بالثواب ، تدارك ذلك جبرا لانكسار