حبيب الله الهاشمي الخوئي

213

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

فقال ( فارعوا عباد اللَّه ما برعايته يفوز فائزكم وباضاعته يخسر مبطلكم ) أي حافظوا على ما بحفظه ومواظبته يفوز الفائزون وهو التقوى وصالح العمل كما نطق به كتاب اللَّه عزّ وجلّ قال * ( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَه ُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْه ِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ) * وقال * ( الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ) * . وباضاعته وتركه يخسر المبطلون أي الآخذون بالباطل وسميّء العمل ، وهم التاركون للتقوى والمنهمكون في الزيغ والزلل قال تعالى * ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ) * . ( وبادروا آجالكم ) الموعودة ( بأعمالكم ) الصالحة أي استعدّوا للموت قبل حلول الفوت ( فانّكم مرتهنون بما أسلفتم ) من الذّنوب محتاجون إلى فكّ رهانتها . قال الشارح البحراني : لفظ المرتهن مستعار للنفوس الاثمة باعتبار تقيّدها بالسيّئة وإطلاقها بالحسنة كتقيّد الرّهن المتعارف بما عليه من المال وافتكاكه بأدائه ( ومدينون بما قدّمتم ) أي مجزيّون به إن خيرا فخيرا وإن شرّا فشرا . ثمّ نبّه على قرب الموت منهم بقوله ( وكأن قد نزل بكم المخوف ) أي أشرف عليكم وأظلكم ( فلا رجعة تنالون ولا عثرة تقالون ) يعني أنّه إذا نزل فليس بعد نزوله رجعة تعطوها ولا عثرة تقالون منها ، لأنّ إقالة العثرات بالتوبة إنما تكون في دار الدّنيا ، لأنها دار التكليف والعمل وأمّا الآخرة فهي دار الجزاء لا ينفع فيه الندّم والاستقالة ، ولو قال أحدهم ربّ ارجعوني لعلَّى أعمل صالحا فيما تركت قيل له : كلا إنّها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون . ( استعملنا اللَّه وإياكم بطاعته وطاعة رسوله ) هو دعاء للتوفيق والإعانة منه سبحانه على القيام بوظائف تكاليفه ومراسم طاعته ( وعفا عنّا وعنكم بفضل ) ه الواسع وكرمه السابغ و ( رحمته ) الَّتي وسعت كلّ شيء ، هذا . ولما فرغ من نصح المخاطبين ووعظهم والدّعاء لهم بما اقتضته الحال والمقام ، عقّب ذلك كلَّه بالأمر بلزوم الأرض والصبر على البلاء فقال :