حبيب الله الهاشمي الخوئي
212
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
حسيّان وقد أشير إلى وجه الشبه وهو التوحش والانقطاع ، فيكون من التشبيه المفصّل المذكور فيه أركان التشبيه بحذافيرها ، ومثله القرينة السابقة أعنى قوله : وكان ليلهم نهارا اه وما ذكرناه هنا آت ثمّة حرفا بحرف وكيف كان فالمراد إنّ المتقين جعلوا نهارهم بمنزلة اللَّيل في التوحش من الخلق والاعتزال منهم والانقطاع عنهم إلى اللَّه سبحانه والفراغ للعبادة والطاعة ، وقد مضى تفصيل الكلام في فوايد الاعتزال والانقطاع بما لا مزيد عليه في شرح الفصل الثاني من المختار المأة والثاني فليراجع ثمّة . ولما وصف حال المتّقين وتمحيضهم العبادة للَّه وخلوصهم في مقام العبودية واستيحاشهم من الخلق واستيناسهم بالخالق أراد أن ينبّه على ما منحه اللَّه عليهم جزاء لعملهم فقال : ( فجعل اللَّه لهم الجنّة مابا ) أي مرجعا ومنزلا ومقيلا كما قال تعالى * ( هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ . لَحُسْنَ مَآبٍ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً ) * وقال * ( لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلأَبْرارِ ) * . ( والجزاء ثوابا ) كما قال عزّ من قائل * ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً . حَدائِقَ وَأَعْناباً . . وَكَواعِبَ أَتْراباً . وَكَأْساً دِهاقاً . لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً . جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً ) * ( وكانوا أحقّ بها وأهلها ) أي بالجنّة وبأهلها من الحور العين والولدان المخلَّدين ، أو أنّه من التقديم والتأخير والتقدير كانوا أهلها وأحقّ بها أي كان المتّقون أهل الجنّة واحتسابها من الفاسقين والكافرين ، أو المراد أنهم كانوا أحقّ بدخول الجنّة وأهلالها ، وعلى أىّ احتمال ففيه إشارة إلى أنّهم بصالح أعمالهم استحقّوا بذلك الجزاء الجميل والأجر الجزيل وكانوا أحقّ تبلك النعمة العظيمة . وأشار إلى بقائها وعدم نفادها بقوله : ( في ملك دائم ونعيم قائم ) كما قال تعالى * ( أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ . الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) * . ثمّ أكدّ الحثّ على التقوى بعبارة أخرى مرغبة إلى أخذها محذرة من تركها