حبيب الله الهاشمي الخوئي

203

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

يوم ترى الأرض قد زلزلت فيه زلزالها ، وأخرجت أثقالها . فيومئذ وقعت الواقعة ، وانشقّت السّماء فهي يومئذ واهية ، والملك على أرجائها ويحمل عرش ربّك فوقهم يومئذ ثمانية ، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية . يوم تذهل فيه كلّ مرضعة عما أرضعت وتضع كلّ ذات حمل حملها وترى النّاس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب اللَّه شديد . يوم يمنع فيه المجرم من الكلام ، ولا يسأل فيه عن الاجرام بل يؤخذ بالنواصي والأقدام . يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تودّ لو أنّ بينها وبينه أمد بعيد . يوم تعلم فيه كلّ نفس ما أحضرت ، وتشهد ما قدّمت وأخّرت . يوم يفرّ المرء من أخيه وامّه وأبيه ، يوم لا يقدرون أن ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ، وعلى النار يفتنون ، ولا ينفع مال ولا بنون . يوم تبلى فيه السرائر وتبدى الضمائر ، وتردّ فيه المعاذير . يوم تكشف الأستار وتخشع الأبصار وتنشر الدواوين وتنصب الموازين . يوم تسكن فيه الأصوات ويقلّ الالتفات ، وتبرز الخفيّات ، وتظهر الخطيئات . يوم يساق العباد ، ومعهم الاشهاد ، ويشيب الصغير ، ويهرم الكبير . يوم تغيّرت الألوان وخرس اللَّسان ونطق جوارح الانسان وبرّزت الجحيم واغلى الحميم ، وسعرّت النّار ، ويئس الكفّار . وتفكر في طول هذا اليوم الَّذي تقف فيه الخلايق شاخصة أبصارهم ، منفطرة قلوبهم ، لا يكلَّمون ولا ينظر في أمورهم ، يقفون ثلاثمأة عام لا يأكلون فيه اكلة ، ولا يشربون فيه شربة ، ولا يجدون فيه روح النسيم ، ولقد أفصح عن طوله الكتاب الكريم وأبان عنه ذو العرش العظيم في سورة المعارج بقوله * ( « تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْه ِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُه ُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا » ) * . وتأمل في ازدحام الخلايق واجتماعهم في موقف يجمع فيه أهل السّماوات