حبيب الله الهاشمي الخوئي

194

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

( وأعدّوا له قبل نزوله ) أي هيّؤوا له من الحسنات والصالحات قبل نزوله ، لأنّه إذا نزل والزاد معدّ والأسباب ممهّدة والمقدّمات مهيّأة فلا يكون في نزوله تكلَّف ولا محنة ، بل يكون بمنزلة ضيف عزيز في قدومه قرّة عين للمضيف لكونه واسطة للوصول إلى محبوبه والنيل إلى مطلوبه وللخروج من دار الفناء إلى دار البقاء ومن بيت الذّلّ والمحنة إلى بيت العزّ والمنعة ، ومن مجالسة الأشرار إلى مرافقة الأبرار . فطوبى لمن كان موته سببا للنزول على حظاير القدس ومجالس الانس ، وويل لمن لم يمهد الزاد ولم يدّخر للمعاد وقدم عليه موته بلا مهاد فأخرجه إلى بيت وحدة ومنزل وحشة ومفرد غربة ، فصار له من الصفح أجنان ومن التراب أكفان ومن الرّفات جيران ، فقارب وسدّد واتّق اللَّه وحده ولا تستقلّ الزاد فالموت طارق هذا . وعلَّل البدار إلى الموت وأخذ الزاد والمهاد له بقوله ( فانّ الغاية القيامة ) إنذارا وتحذيرا بذكر الغاية ، وتنبيها على أنّ البلية ليست منحصرة في الموت والأمر بأخذ الزاد ليس لأجله فقط ، بل هو أوّل منازل الآخرة والداهية الدّهياء والمصيبة العظماء آخر منازلها وهو يوم القيامة التي إليها مصير الخلايق * ( « يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ » ) * * ( « يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ » ) * . ( وكفى بذلك واعظا لمن عقل ) أي كفى ذكر الموت وغمراته والقيامة وشدائدها ، واعظا للعقلاء ( ومعتبرا لمن جهل ) أي محلّ عبرة للجهلة والغافلين . ( و ) الحال أنّ ( قبل بلوغ الغاية ما تعلمون ) وهو تحذير بأهوال البرزخ ودواهيه . وفي إتيان المسند إليه بالموصول وإبهامه من التهويل والتفخيم ما لا يخفى ، مثل قوله سبحانه * ( « فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ » ) * . ثمّ فسّر هذه الأهوال وفصّلها ، لأنّ ذكر الشيء مبهما ثمّ مفسّرا أوقع في