حبيب الله الهاشمي الخوئي
167
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
بلد آخر . وعلى هذا فيكون قوله ( ولا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجّة فسمعها اذنه ووعاها قبله ) توكيدا لما فهم من الجملة السابقة ، فإنه لما كان مدلولها المطابقي على الاحتمال الأخير أنّ العارف بامام زمانه مهاجر وحقيق بأن يوصف بالمهاجريّة من دون حاجة إلى السّفر أتا بهذا الكلام توضيحا لمدلولها الالتزامي . فيكون محصل مراده حينئذ أنّ من بلغته حجيّة الحجة فسمعها باذنه وحفظها بقلبه أي عرفها حقّ المعرفة ولو في وطنه ومع عدم تجشّم السفر فهو ليس بمستضعف بل مهاجر ، ولا يجوز عدّ مثل هذا الشخص في عداد المستضعفين المستحقين للذّم والعقاب بترك المهاجرة والمسافرة المشار إليهم في قوله سبحانه * ( « إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً » ) * فانّ هذه الآية كما قيل نزلت في أناس من أهل مكَّة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة واجبة في بدو الاسلام ، فانّ المفروض عليهم يومئذ هو المهاجرة بالأبدان وعلى من بعدهم هو المعرفة والايمان من دون لزوم الهجرة بالبدن هذا . ولكنّ الأظهر أنّ المراد بهذه الجملة أنّ من بلغته خبر الحجّة فسمعه ووعاه بقلبه أي علم علما قطعيا بوجود الحجّة فلا يقع عليه اسم الاستضعاف أي لا يسوغ له التقصير في الايمان به والاعتذار بكونه مستضعفا فلو قصر وفرط دخل في زمرة المستضعفين المذكورين في الآية السابقة الَّذين لم يكونوا مستضعفين في الحقيقة ، ولذلك استحقوا التقريع والعقوبة فالمقصّر المفرط يكون مثلهم في استحقاق السّخط . ويشهد بذلك ما رواه في الصافي من الكافي عن الصادق عليه السّلام أنه سئل ما تقول في المستضعفين فقال شبيها بالفزع فتركتم أحدا يكون مستضعفا وأين المستضعفون فو اللَّه لقد مشى بأمركم هذا العواتق في خدورهن وتحدّثت به السقاءات في طرق المدينة . وعن الكاظم عليه السّلام أنّه سئل عن الضعفاء فكتب عليه السّلام : الضعيف من لم ترفع له