حبيب الله الهاشمي الخوئي
122
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وأما الزمان فلانه عبارة عن مقدار حركة الفلك فإذا قدرنا عدم الفلك فلا حركة فلا زمان . وفيه ردّ على الفلاسفة القائلين بعدم فناء الأفلاك حسبما أشير إليه سابقا ولدفع زعمهم الفاسد أيضا أكَّده ثانيا بقوله : ( عدمت عند ذلك ) أي عند فناء الأشياء ( الآجال والأوقات ، وزالت السّنون والساعات ) لأنّ كلّ ذلك أجزاء للزّمان وحيث انعدم الزّمان لانعدام الفلك انعدم ذلك كلَّه ( فلا شيء إلَّا اللَّه الواحد القهّار ) هذا نصّ صريح في فناء جميع الأشياء . وهو على القول بطريان العدم عليها بجواهرها وذواتها لا غبار عليه . وأما على القول بأنّ الفناء هو التشذّب وتفرّق الأجزاء كما عليه بناء المحققين حسبما عرفته سابقا فلا بدّ من ارتكاب التأويل وفي أمثاله ينصرف لا عن نفى الجنس إلى نفى الكمال كما في لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد أي لا شيء يصحّ منه الانتفاع فانّ الأجزاء المتشذّبة المتفرّقة وإن صحّ إطلاق اسم الشيء عليها إلَّا أنّها خرجت بتفرّقها عن حيّز الانتفاع ، فكأنّها ليست بشيء أي لا يبقى بعد فناء الأشياء شيء معتدّ به إلَّا اللَّه الواحد القهّار للأشياء بالعدم والفناء ، والغالب عليها بالاعدام والافناء ، بحيث لا يطيق شيء منها من الامتناع من حكمه ومما يريد الانفاذ فيها من أمره . ( الذي إليه مصير جميع الأمور ) ومرجعها وعاقبتها كما قال عزّ من قال : « ألا إلى اللَّه تصير الأمور » . قال الطبرسي : أي إليه ترجع الأمور والتدبير يوم القيامة فلا يملك ذلك غيره . وقال البحراني : معني مصيرها إليه أخذه لها بعد هبته لوجودها . ولما ذكر قهاريّته على الأشياء وصيرورتها كلَّها إليه تعالى عقّبه بقوله : ( بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها وبغير امتناع منها كان فناؤها ) تنبيها على أنّ لازم قاهريّته ذلك أي كون الكلّ مقهورا تحت مشيّته غير مقتدر على ايجاد نفسه ولا على الامتناع من فنائه فهو عاجز ضعيف داخر ذليل لا يملك لنفسه موتا ولا حياة ولا نشورا . ( و ) لما كان عدم اقتدارها على خلقتها بديهيّا مستغينا عن التعليل بخلاف اقتدارها على الامتناع علَّل الثاني بأنها ( لو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها ) لكن التالي