حبيب الله الهاشمي الخوئي
121
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وسهولته قلت : إنّ اللَّه سبحانه وإن خلق للعبد قدرة على الفعل والترك والايذاء والاضرار لغيره ، لكنه تعالى جعل للبعوضة أيضا القدرة على الهرب والطيران والامتناع من ضرر الغير فضلا عن اهلاكه ، فلو لا تسخير الربّ القاهر لها وتمكينه إياها لما قدر العبد على قتلها واهلاكها وما كان متمكنا من افنائها وإعدامها . ثمّ إنّه لما ذكر أنّه تعالى يفنى الأشياء بعد وجودها حتّى يصير موجودها كمفقودها ، وعقّبها بجملات متعدّدة معترضة للاستبعاد وإفنائها عاد إلى إتمام ما كان بصدده من شرح حال الفناء فقال : ( وانّه سبحانه يعود بعد فناء الدّنيا وحده لا شيء معه كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها ) يعني أنّه يبقى بعد فناء الأشياء وحده لا شيء معه منها كما كان قبل وجودها . قال الشارح البحراني : وقوله : يعود ، إشعار بتغير من حالة سبقت إلى حالة لحقت وهما يعودان إلى ما تعتبره أذهاننا له من حالة تقدّمه على وجودها وحالة تأخّره عنها بعد عدمها ، وهما اعتباران ذهنيّان يلحقانه بالقياس إلى مخلوقاته . وقوله ( بلا وقت ولا مكان ولا حين ولا زمان ) يحتمل أن يكون قيدا بقوله : وحده أو قوله : يكون ، فيكون إشارة إلى بقائه سبحانه بعد فناء الأشياء متوحّدا منزّها عن الزمان والمكان ، بريئا عن لحوقهما كما كان قبل وجودها كذلك ، لأنّ الكون في المكان والزمان من خصايص الامكان وخواصّ الأجسام . ويحتمل أن يكون قيدا لقوله : فنائها أتى به تأكيدا له ، يعني أنّه يفنى الأشياء حتّى لا يبقى وقت ولا زمان ولا مكان . وذلك لأنّ المكان إمّا الجسم الذي يتمكَّن عليه جسم آخر ، أو الجهة ، وكلاهما لا وجود له بتقدير عدم الأفلاك وما في حشوها من الأجسام ، أما الأوّل فظاهر ، وأمّا الثاني فلأنّ الجهة لا تتحقّق إلَّا بتقدير وجود الفلك لأنها أمر إضافيّ بالنسبة إليه فبتقدير عدمه لا يبقى لها تحقق أصلا .