حبيب الله الهاشمي الخوئي
120
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
( ولتحيّرت عقولها في علم ذلك وتاهت وعجزت قواها وتناهت ) فإنها على صغرها وضعفها قد ودع فيها من بدايع الصنع وعجائب الخلقة ما لا يخفى ، فإنه سبحانه قد خلقها على خلقة الفيل إلَّا أنّه أكثر أعضاء من الفيل ، فانّ للفيل أربع أرجل وخرطوما وذنبا ، ولها مع هذه الأعضاء رجلان زايدتان وأربعة أجنحة ، وخرطوم الفيل مصمت وخرطومها مجوّف نافذ للجوف ، فإذا طعنت به جسد الانسان استقى الدّم وقذفت به إلى جوفها فهولها كالبلعوم والحلقوم ولذلك اشتدّ عضّها وقويت على خرق الجلود الغلاظ قال الراجز : مثل السّفاة دائما طنينها ركَّب في خرطومها سكَّينها ومما ألهمها اللَّه تعالى أنّها إذا جلست على عضو الانسان لا تزال تتوخى بخرطومها المسام التي يخرج منها العرق لأنها أرقّ بشرة من الجلد ، فإذا وجدها وضعت خرطومها فيها وفيها من الشره أن تمصّ الدّم إلى أن تنشقّ وتموت أو إلى أن تعجز عن الطيران فيكون ذلك سبب هلاكها . وكان بعض الجبابرة من الملوك يعذّب بالبعوض فيأخذ من يريد قتله فيخرجه مجرّدا إلى بعض الآجام التي بالبطايح ويتركه فيها مكتوفا فيقتل في أسرع وقت وأقرب زمان قال الفتح البستي في هذا المعنى : لا تستخفنّ الفتى بعداوة أبدا وإن كان العدوّ ضئيلا إنّ القذى يؤذى العيون قليله ولربّما جرح البعوض الفيلا وقال آخر : لا تحقرّن صغيرا في عداوته إنّ البعوضة تدمي مقلة الأسد فقد ظهر من ذلك أنّ عقول العقلاء لو فكرت في ايجادها وفيما أبدع من عجايب الصنع لتحيّرت وتاهت وعرفت أنّ القوى عاجزة عن ايجادها . ( ورجعت خاسئة ) أي صاغرة ذليلة ( حسيرة عارفة بأنها مقهورة ) عاجزة غير متمكَّنة ( مقرّة بالعجز عن انشائها مذعنة بالضعف عن إفنائها ) فان قلت : كيف تذعن العقول بالضعف عن إفناء البعوضة مع إمكان ذلك