حبيب الله الهاشمي الخوئي

9

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ومحصّل المراد أنّ الدّهر أضحكنى من فرط التعجّب بعد ما أحزنني لأنّه ( 1 ) أنزلني ثمّ أنزلني حتّى قيل معاوية وعلىّ ( ولا غرو واللَّه ) أي لا عجب واللَّه من تقلَّبات الدّهر وأحواله وقوّة الباطل وغلبة أهله فيه ممّا بي نزل وإضحاكه بي بعد إبكائه ، لأنّ عادته قد جرت دائما على وضع الأشراف ورفع الأراذل حتّى صار سجيّة له ومجبولا عليها ، وإليه ينظر قول مولانا الحسين عليه السّلام ليلة العاشور : يا دهر افّ لك من خليل كم لك بالاشراق والأصيل ( فيا له خطبا يستفرغ العجب ) كلام مستأنف لاستعظام هذا الأمر ، وعلى هذا فالوقف على اللَّه ، ويجوز أن لا يكون استينافا بل وصلا على سابقه وتفسيرا له فانّه عليه السّلام لمّا أشار إلى أنّ الدّهر أعجبه أتبعه بقوله : ولا غرو ، أي ليس ذلك بعجب وفسّر هذا بقوله : فيا له خطبا يستفرغ العجب ، أي يستنفده ويفنيه أي قد صار العجب لا عجب لأنّ هذا الخطب قد استغرق المتعجّب فلم يبق منه ما يطلق عليه لفظ التعجّب ، وهذا من باب الاغراق والمبالغة في المبالغة أي هذا أمر يجلّ عن التعجّب كقول ابن هاني : قد صرت في الميدان يوم طرادهم فعجبت حتّى كدت لا أتعجّب هذا ( و ) وصف الخطب أيضا بأنّه ( يكثر الأود ) لأنّ كلّ امرء بعد عن الشريعة ازداد الأمر به اعوجاجا ( حاول القوم ) أراد به معاوية واتباعه ( إطفاء نور اللَّه من مصباحه ) أراد بنور اللَّه الولاية والخلافة وبمصباحه نفسه الشّريف الحامل لذلك النّور ، يعني أنّ معاوية ومن تبعه أرادوا إطفاء نور الولاية وإزالة الأمر عن الأحقّ به كما أنّ من تقدّم عليهم من المتخلَّفين الثلاث وأشياعهم وطلحة والزّبير وأتباعهما كان غرضهم إطفاء النّور هذا . ( وسدّ فوّاره من ينبوعه ) أي سدّ مجراه ومنبعه ( وجدحوا ) أي مزجوا وخلطوا ( بيني وبينهم شربا وبيئا ) أراد بالشرب الوبيء الفتنة الحاصلة من عدم انقيادهم له كالشّرب المخلوط بالسمّ .

--> ( 1 ) علَّة الضحك والتعجب منه .