حبيب الله الهاشمي الخوئي
26
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الكلام الأوّل لادم الَّذي هو أصل البشر ، والثاني لذرّيته . أقول : بل كلاهما لذرّيته كما عرفته في شرح الفصل السّابع من فصول الخطبة الثّانية والثّمانين ، والمراد بالقرار المكين الرّحم متمكَّنة في موضعها برباطاتها ، لأنّها لو كانت متحرّكة لتعذّر العلوق أي وضعت في الرّحم منتهيا ( إلى قدر معلوم وأجل مقسوم ) قال الشّارح المعتزلي : أي مقدار معلوم طوله وشكله إلى أجل مقسوم مدّة حياته . أقول : بل الظَّاهر أنّ المراد بالأجل المقسوم هو المدّة المضروبة لبقائه في الرّحم من سبعة أشهر أو تسعة ونحوهما ، وبالقدر المعلوم هو صغر حجمه وكبره ومقدار قطره طولا وعرضا إذ كان جنينا في بطن أمّه ، لا الحياة المقسوم له في الدّنيا ومقداره المعلوم فيها كما زعمه الشّارح لأنّه عليه السّلام لم ينتقل بعد إلى بيان نشائته الدّنياويّة كما يؤمى إليه قوله ( تمور في بطن أمّك جنينا ) أي تضطرب وتتحرّك فيه ( لا تحير دعاء ولا تسمع نداء ) أي لا تقدر على أن تردّ جوابا لدعوة من دعاك ، وعلى محاورته كما لا تقدر على سماع ندائه . ( ثمّ أخرجت من مقرّك ) أي القرار المكين ( إلى دار لم تشهدها ) أي الدّار الَّتي لم تكن شاهدتها قبل خروجك إليها ( ولم تعرف سبل منافعها ) ثمّ اهتديت إليها . ( فمن هداك لاجترار الغذاء من ثدي امّك ) ولالتقام حلمة الثدي وامتصاصها ( وعرّفك عند الحاجة مواضع طلبك وإرادتك ) ومعلوم أنّ الهادي للاجترار والمعرّف لمحالّ الطلب ليس إلَّا اللَّه سبحانه ، فالغرض من الاستفهام التّنبيه على وجود الخالق الهادي إلى المطالب ، والمرشد إلى المآرب ، وهذا القدر من العلم بالصّانع ضروريّ في النّفوس وإن احتاج إلى أدنى تنبيه وما وراء ذلك بمعنى صفات الكمال ونعوت الجلال أمور لا تطَّلع عليها العقول البشريّة بالكنه . وإليه أشار بقوله ( هيهات ) أي بعد الوصول إلى كنه معرفة الخالق والغور في تيّار بحار جلاله وكبريائه ف ( انّ من يعجز عن ) معرفة ( صفات ) نفسه في حال