حبيب الله الهاشمي الخوئي

250

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

بما هو أهله ومستحقه . ولهذا قال سيّد النّبيّين وأكمل المادحين : لا احصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك . ثمّ وصفه بإحاطة علمه سبحانه بجميع الجزئيّات وخفيّات ما في الكون ، وقد عرفت في شرح الفصل السابع من الخطبة الأولى عموم علمه تعالى بجميع الموجودات وعدد من ذلك هنا أشياء فقال ( لا يعزب عنه ) أي لا يغيب عن علمه ( عدد قطر الماء ) المنزل من السّماء والراكد في متراكم البحار والغدران والابار والجارى في الجداول والأنهار ( ولا ) عدد ( نجوم السّماء ) من الثوابت والسّيار ( ولا سوافي الرّيح في الهواء ) أي التي تسفو التراب وتذروه . وتخصيصها بالذكر من جهة أنها غالب أفرادها ، فلا دلالة فيها على اختصاص علمه بها فقط ، لأنّ الوصف الوارد مورد الغلبة ليس مفهومه حجّة كما صرّح به علماء الأصولية ومثله قوله تعالى : * ( « وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ » ) * ، ويمكن أن يكون غرضه الإشارة إلى أنه لا يخفى عليه سبحانه السوافي مع ما تسفوه من التراب ، فانّ التراب الَّذي تحمله الرّيح وتبثّه في الجوّ لا يعلم مقداره وأجزائه وذراته إلَّا اللَّه سبحانه العالم بكلّ شيء . ( ولا ) يعزب عنه ( دبيب النمل على الصفا ولا مقيل الَّذر في اللَّيلة الظلماء ) أي لا يخفى حركة آحاد النمل على الصّخر الأملس في اللَّيلة المظلمة ، ولا محلّ قيلولة صغار النّمل فيها مع فرط اختفائهما عليه سبحانه بل علمه تعالى محيط بهما وبغيرهما من خفيّات الموجودات وخبياتها . فان قلت : لم خصّص دبيب النمل بكونه على الصفا قيل : لعدم التأثّر بالدّبيب كالتراب إذ يمكن في التراب ونحوه أن يعلم الدّبيب بالأثر . وفيه إنّ بقاء أثر الدّبيب في التراب مسلَّم إلَّا أنّ حصول العلم به بذلك الأثر إمّا أن يكون في اللَّيل أو في النهار ، والأوّل ممنوع لأنّ ظلمة الليل المظلم مانعة