حبيب الله الهاشمي الخوئي

251

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

عن مشاهدة الأثر كنفس المؤثر والصفا والتراب سيّان في اختفاء الدّبيب فيها على كلّ منهما ، والثاني مسلَّم إلَّا أنّه إذا كان في النّهار فهو مشاهد لكلّ أحد ومعلوم بنفسه من دون حاجة إلى الاستدلال بالأثر من غير فرق أيضا في ظهوره بين كونه على الصّفا وبين كونه على التراب . إلَّا أن يقال : إنّه مع كونه في اللَّيل على التراب يبقى أثره إلى النهار فيمكن حصول العلم به منه ، بخلاف ما إذا كان على الصّفا فلا يكون له أثر أصلا حتّى يبقى إلى النهار ويتحصّل منه العلم . ولكن يتوجّه عليه إنّ ظاهر القضيّة أنّه لا يخفى عليه دبيبه حين دبّه أعنى في اللَّيلة المظلمة ولا مقيل الذرّ حين قيلولتها . فان قلت : هذا مسلَّم لو جعلنا قوله : في اللَّيلة الظلماء قيدا لكلا الأمرين ، أمّا لو جعلناه قيدا للأخير فقط لارتفع الاشكال . قلت : لابدّ من إرجاع القيد إليهما جميعا إذ الدّبيب الحاصل في النهار مشاهد لكلّ أحد ومرئىّ معلوم ولا اختصاص لعدم اختفائه باللَّه سبحانه حتّى يتمدّح به . والَّذي يلوح للخاطر في سرّ التخصيص هو أنّ غالب أفراد الحيوان ومنها النمل إذا سارت بالليل على التراب لا يظهر صوت قوائمها وحوافرها للين التراب ، فيختفى سيرها غالبا على الناس ، وأمّا إذا صارت على الصّفا فيطلع عليه النّاس لظهور صوت الحوافر والأقدام ، وأمّا النمل فلا يظهر دبيبه عليه أيضا لخفّة جرمه وصغر جثّته ، فمدح اللَّه سبحانه بأنّ النمل الَّذى اختفى دبيبه على الصّفا على النّاس فضلا عن التراب لم يعزب عليه سبحانه دبيبه مع فرط خفائه فافهم جيّدا . وكيف كان فقد ظهر من ذلك كلَّه أي مما ذكره عليه السّلام هنا وما ذكرناه وممّا قدمه وقدّمناه أنّه لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السّماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلَّا في كتاب مبين . فانقدح منه أنه سبحانه ( يعلم مساقط الأوراق ) عدل عن نفى المعزوب إلى إثبات العلم على قاعدة اليقين وتصديق علمه بمساقط الأوراق مضافة إلى غيرها قوله