حبيب الله الهاشمي الخوئي

23

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وبالجملة فالمقصود بذلك كلَّه تمجيد اللَّه باعتبار إحاطة علمه وعدم خفاء شيء من هذه الأمور عليه سبحانه ( في ليل داج ) ظلماني ( ولا غسق ساج ) ساكن كما يخفى فيهما على غيره تعالى ، وذلك لأنّ معرفة غيره تعالى بهذه الأشياء من العباد وإدراكه لها إنّما هو بواسطة آلات جسمانيّة كالباصرة ( 1 ) والسامعة ونحوها ، وأقويها الباصرة ، والظلمة مانعة عن ادراكها البتّة ، وأمّا اللَّه الحيّ القيّوم فلا يتفاوت علمه بالنسبة إلى نهار وليل ، وشهادة وغيب بل يعلم السرّ وأخفى * ( « وَعِنْدَه ُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ » ) * . ( يتفيّاء عليه القمر المنير ) أي يتقلَّب على الغسق القمر المنير ذاهبا وجائيا في حالتي أخذه في الضّوء إلى التّبدّر وأخذه في النّقص إلى المحاق ( وتعقبه ) أي القمر ( الشمس ذات النّور ) أي تعاقبه ( في الأفول والكرور ) يعنى أنّها تطلع عند أفوله ويطلع عند أفولها ( وتقليب الأزمنة والدّهور من إقبال ليل مقبل وإدبار نهار مدبر ) أي أنّهما يتعاقبان ويجيء أحدهما بعد الاخر ويقلَّبان الأزمان ويجعلان اللَّيل نهارا والنّهار ليلا . ثمّ عاد إلى وصفه سبحانه أيضا بقوله ( قبل كلّ غاية ومدّة وكلّ إحصاء وعدّة ) لأنّه سبحانه خالق الكلّ وموجده ومبدئه فوجب تقدّمه وقبليّته عليه جميعا ( تعالى ) وتقدّس ( عمّا ينحله ) ويعطيه ( المحدّدون ) الجاعلون له حدودا من المشبّهة والمجسّمة ( من صفات الأقدار ) أي المقادير ( ونهايات الأقطار ) طولا وعرضا وصغرا للحجم وكبرا ( وتأثّل المساكن وتمكَّن الأماكن ) أي اكتساب

--> ( 1 ) ادراك الباصرة بالنسبة إلى شخوص اللحظة وازدلاف الربوة وانبساط الخطوة ، وادراك السامعة بالنسبة إلى كرور اللفظة ، ويمكن ادراك بعضها باللَّامسة أيضا في الجملة كما لا يخفى واليه أشرنا بقولنا ونحوها ، منه رحمه اللَّه .