حبيب الله الهاشمي الخوئي
24
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
المساكن واستقرار الأحياز ونحوها ممّا هو من صفات المخلوقات المنزّه المتعالى عنها خالق الأرض والسماوات تنزّها ذاتيا وعلوّا كبيرا . ( فالحدّ لخلقه مضروب وإلى غيره منسوب ) يعني أنه سبحانه جاعل الحدود والنهايات ومبدئها وموجدها فأبدئها وضربها لمخلوقاته وأضافها إلى مبدعاته وجعل لكلّ منها حدا معيّنا وقدرا معلوما ، فهي أوصاف للممكنات وحضرة القدس مبرّاة عنها . روى في الكافي عن سهل بن زياد عن بشر بن بشّار النّيشابوري قال : كتبت إلى الرّجل أنّ من قبلنا قد اختلفوا في التّوحيد فمنهم من يقول إنّه جسم ومنهم من يقول إنّه صورة ، فكتب عليه السّلام سبحان من لا يحدّ ولا يوصف ولا يشبهه شيء وليس كمثله شيء وهو السّميع البصير . ( لم يخلق الأشياء من أصول أزليّة ولا من أوائل أبديّة ) قال العلَّامة المجلسيّ ردّ على الفلاسفة القائلين بالعقول والهيولى القديمة . وقال الشّارح المعتزلي : الردّ في هذا على أصحاب الهيولى والطَّينة الَّتي يزعمون قدمها وقيل : إنّ معناه ليس لما خلق أصل أزليّ أبديّ خلق منه من مادّة وصورة كما زعمت الفلاسفة . وقال الشّارح البحراني : إنّه لم يخلق ما خلق على مثال سبق يكون أصلا . ومحصّل ما ذكروه أنّ خلقه للأشياء على محض الابداع والاختراع وأن لا مبدء لصنعه إلَّا ذاته ، إذ لو كان خلقه لها مسبوقا بمادّة أو مثال فان كانا قديمين لزم تعدّد القدماء ، وإلَّا لزم التسلسل في الأمثلة والموادّ . وأوضح هذا المعنى بقوله ( بل خلق ما خلق فأقام حدّه وصوّر ما صّور فأحسن صورته ) يعني أنّه المخترع لإقامة حدود الأشياء على ما هي عليها من المقادير والاشكال والنهايات والآجال والغايات على أبلغ نظام . ومصوّرها على أحسن اتقان وإحكام ( ليس لشيء منه امتناع ) لعموم قدرته وغاية قهره وقوّته ( ولا له بطاعة شيء انتفاع ) إذ هو الغنيّ المطلق عمّا عداه والمتعالى عن الافتقار إلى ما سواه ،