حبيب الله الهاشمي الخوئي

205

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

والاستقامة كلَّها ناظرة إلى طرف العبادة ، ولما كان الصّبر متعلَّقا بالمعصية عطفه بثم لغاية الافتراق بين العبادات والمعاصي ، ولما كان بين الصّبر والورع تلازما عطف الورع بالواو أيضا . وهذا أولى مما قاله الشّارح البحراني حيث قال : وإنّما عطف النهاية والصّبر بثمّ لتأخّر نهاية العمل عنه وكون الصّبر أمرا عدميّا وهو في معنى المتراخي والمنفكّ عن العمل الَّذى هو أمر وجوديّ ، بخلاف الاستقامة على العمل فإنه كيفية له والورع فإنه جزء منه ، انتهى هذا . وفصّل ما أجمل لقوله و ( إنّ لكم نهاية ) وهى غرفات الجنان ورضوان من اللَّه المنّان ( فانتهوا إلى نهايتكم ) وامضوا إليها ( وإنّ لكم علما ) هاديا إلى تلك النهاية وهو الرّسول الأمين وأولياء الدّين أو الأعم منهم ومن ساير دلائل الشّرع المبين ( فاهتدوا بعلمكم ) للوصول إليها ( وإنّ للاسلام غاية فانتهوا إلى غايته ) وهي النهاية المذكورة ( واخرجوا إلى اللَّه مما افترض عليكم من حقّه وبين لكم من وظايفه ) أي أخرجوا متوجّهين إليه سبحانه ممّا فرضه عليكم من حقوقه الواجبة وأوضحه لكم من عباداته وتكاليفه الموظفة المقرّرة في ساعات اللَّيالي والأيّام . وقوله ( أنا شاهد لكم وحجيج يوم القيامة عنكم ) تأكيد لأداء الفرائض والواجبات يعني انكم إذا خرجتم إلى اللَّه من حقوقه ووظايفه فأنا أشهد لكم يوم القيامة بخروجكم منها ومقيم للحجّة عن جانبكم بأنّكم أقمتم بها ، وقد مضى تفصيل تلك الشهادة والاحتجاج في شرح الخطبة الحادية والسّبعين . ( ألا وإنّ القدر السابق قد وقع والقضاء الماضي قد تورّد ) قد عرفت معنى القضاء والقدر مفصّلا في شرح الفصل التاسع من الخطبة الأولى ، والظاهر أنّ المراد بهما المقضىّ والمقدّر كما استظهرنا هذا المعنى منهما فيما تقدّم أيضا بالتقريب الَّذي قدّمناه ثمّة ، فيكون المعنى أنّ المقدّر السابق في علم اللَّه سبحانه وقوعه قد وقع ، والمقضىّ الماضي أي المحتوم النافذ قد تورّد أي دخل في الوجود شيئا فشيئا .