حبيب الله الهاشمي الخوئي
19
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
و ( الغسق ) محركة الظَّلام أو ظلمة أوّل اللَّيل و ( تفيّاء ) الظلّ تقلَّب ورجع من جانب إلى جانب قال سبحانه : * ( « يَتَفَيَّؤُا ظِلالُه ُ » ) * و ( عقبت ) زيدا عقبا من باب قتل وعقوبا وعقّبته بالتشديد جئت بعده ، ومنه سمّى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم العاقب لأنّه عقب من كان قبله من الأنبياء أي جاء بعدهم ، وتعقبه الشّمس مضارع عقب بالتخفيف ويروى يعقّبه مضارع عقّب بالتضعيف وفي نسخة الشارح المعتزلي تعقّبه قال الشارح أي تتعقّبه فحذف إحدى التائين كما قال سبحانه : * ( « الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ » ) * و ( تأثّل ) المال اكتسبه و ( أحار ) جوابا يحيره ردّه . الاعراب من في قوله : من عباده ، ابتدائية ، وقوله : في ليل ، متعلَّق بقوله : يخفى ، أو بالشخوص ، والكرور والازدلاف والانبساط على سبيل التنازع والثاني أظهر وأولى كما لا يخفى ، وقوله : في الأفول والكرور ، ظرف لغو متعلَّق بتعقب ، وقال الشارح المعتزلي : ظرف مستقرّ في موضع نصب على الحال ، أي وتعقبه كارّا وآفلا ومن في قوله : من اقبال ، بيان التّقليب . المعنى اعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة مسوقة للثناء على اللَّه سبحانه وتعظيمه وتمجيده بجملة من نعوت جماله وصفات جلاله . قال الشارح المعتزلي : اعلم أنّ هذا الفنّ هو الَّذي بان به أمير المؤمنين عليه السّلام عن العرب في زمانه قاطبة ، واستحقّ به الفضل والتقدّم عليهم أجمعين ، وذلك لأنّ الخاصّة التي يتميّز بها الانسان عن البهايم هي العقل والعلم ، ألا ترى أنّه يشاركه غيره من الحيوانات في اللَّحميّة والدّمويّة والقوّة والقدرة والحركة الكاينة على سبيل الإرادة والاختيار ، فليس الامتياز إلَّا بالقوّة الناطقة أي العاقلة العالمة ، فكلَّما كان الانسان أكثر حظَّا منها كانت انسانيّته أتمّ . ومعلوم أنّ هذا الرّجل انفرد بهذا الفنّ وهو أشرف العلوم ، لأنّ معلومه أشرف المعلومات ، ولم ينقل عن أحد من العرب غيره في هذا الفنّ حرف واحد