حبيب الله الهاشمي الخوئي
62
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
التّعب والعطب للتحصيل والطلب إلى أن يموت فيكفن ويخرج فيدفن ( لاجاء يردّ ) به أراد به الموت ( ولا ماض يرتد ) أزاد به الميّت . ثمّ تعجب ثانية وقال ( فسبحان الله ما أقرب الحىّ من الميّت للحاقه به وأبعد الميّت من الحىّ لانقطاعه عنه ) وهو من أفصح الكلام وأحسنه في تأدية المرام يعرف ذلك من له دراية في صناعة البيان وإحاطة بلطايف فنّ المعان . ثمّ نبّه على شدّة عقاب الآخرة وعظم ثوابها بقوله ( إنّه ليس شيء بشرّ من الشرّ إلَّا عقابه وليس شيء بخير من الخير إلَّا ثوابه ) قال الشارح البحراني : يحتمل أن يريد الشرّ والخير المطلقين ويكون ذلك للمبالغة إذ يقال للأمر الشريف : هذا أشدّ من الشديد وأجود من الجيد ، ويحتمل أن يريد شرّ الدّنيا وخيرها ، فانّ أعظم شرّ في الدّنيا مستحقر في عقاب الله ، وأعظم خير فيها مستحقر بالنسبة إلى ثواب الله ، انتهى . والاحتمال الأوّل أظهر ، وعليه فالمراد انه ليس شيء يكون أشرّ الأشياء ، إلَّا عقاب ذلك الشّيء ، ولا شيء يكون أعظم الأشياء خيرا إلَّا ثواب ذلك الشيء . إلَّا أنّ الاحتمال الثاني يؤيّده قوله ( وكلّ شيء من الدّنيا ) خيرا كان أو شرّا ( سماعه أعظم من عيانه ) أما خيرها فلأنّ الانسان لا يزال يحرص على تحصيل الدّرهم والدّينار وساير القنيات الدّنيويّة ، ويكون قلبه مشغولا بتحصيلها مسرورا بانتظار وصولها ، فإذا وصل إليها هانت عليه وارتفع وقعها لديه كما يشهد به التجربة والوجدان ، وأمّا شرّها فلأنّ أعظم شرّ يتصوّرها الانسان بالسّماع ويستهوله ويستنكره ممّن يفعله هو صورة القتل والجرح ، فإذا وقع في مثل تلك الأحوال واضطرّ إلى المخاصمة والقتال سهل عليه ما كان يستصعبه منها ، وهو معنى قوله في بعض كلماته الآتية : إذا هبت أمرا فقع فيه . ( وكلّ شيء من الآخرة ) ثوابا كان أو عقابا ( عيانه أعظم من سماعه ) فانّ جلّ الخلق بل كلَّهم إلَّا الصّدّيقين إذا سمعوا أحوال الآخرة خيرها وشرّها إنما يتصوّرونها كأحوال الدّنيا ويزعمونها مثلها ويقيسونها إليها ، بل بعضهم يتوهّمونها