حبيب الله الهاشمي الخوئي

61

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

( ومن غيرها ) أي تغيّر الدّنيا وانقلابها ( انّك ترى المرحوم مغبوطا والمغبوط مرحوما ) يعني ترى من يرحمه الخلايق بسبب الضّر والفقر والمسكنة يصير في زمان قليل موصوفا باليسار والرّخاء والسعة فيغبطونه بذلك ، وترى من يغبطه الخلائق بالعزّ والمنعة والغنى يصير عمّا قليل مبتلا بالذلّ والفقر والعناء ، فيرحمونه لأجل ذلك . و ( ليس ذلك إلَّا نعيما زلّ وبؤسا نزل ) أي ليس كون المغبوط مرحوما إلَّا بنعيم انتقل من المغبوط إلى غيره ، أو شدّة نزلت عليه وفقر وسوء حال حلّ به ( ومن عبرها أنّ المرء يشرف على أمله فيقتطعه حضور أجله ) أي يطلع على أمله ويعلو عليه بحيث يكاد يدركه فيحضر إذا أجله ويقتطعه عنه ويحول بينه وبينه ( فلا أمل يدرك ولا مؤمّل يترك ) ثمّ تعجب من بعض حالات الدّنيا وأطوارها وقال ( فسبحان الله ما أغرّ سرورها وأظماء ريّها وأضحى فيئها ) أراد بالرّى استتمام لذّتها وبفيئها الرّكون إلى قنياتها والاعتماد عليها ، أي أيّ شيء أوجب لكون سرورها سببا للغرور ، وكون ريّها سببا للعطش وظلَّها سببا للحرارة ، فانّ الضحى هي وقت ارتفاع الشّمش وعنده تكون الحرارة . ونسبة الغرور إلى السرور والظماء إلى الرّى والضحى إلى الفىء باعتبار أنّ سرورها ولذّاتها وزخارفها هي الصّوارف عن العمل للآخرة ، والشواغل عن الاقبال إلى الله سبحانه ، فكان سرورها أقوى سبب للاغترار بها ، وريّها من آكد الأسباب للعطش في الآخرة والحرمان من شراب الأبرار ، وفيئها من أقوى الدواعي إلى إيراده في حرّ الجحيم وتصلية الحميم . ويحتمل أن يكون المراد باظماء ريّها أنّ الارتواء منها لا ينقع ولا ينفع من الغلة ، بل يزيد في العطش كمن شرب من الماء المالح والأجاج ، فيكون كناية عن كون الاكثار منها سببا لمزيد الحرص عليها ، وكذا يكون المراد باضحاء فيئها أنّ من طلب الراحة فيها اعتمادا على ما جمعها منها لا يجد فيها الراحة ولا ينجو به من حرارة الكبد وفرط المحبة إلى جمعها وتحصيلها وإكثارها ، بل هو دائما في