حبيب الله الهاشمي الخوئي

60

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

قصر مدّة العمر وقلَّتها حتّى يستفهم العلية المستفادة من الفاء فتدبّر . ثمّ انّه عليه السّلام وصف الدّنيا بأوصاف منفّرة وعن الركون إليها فقال ( ثمّ انّ الدّنيا دار فناء وعناء وغير وعبر ) أي دار موصوفة بالفناء والمشقة والتغيّر والاعتبار ( فمن الفناء انّ الدّهر موتر قوسه ) شبّه الدّهر بالرامي بالقوس على سبيل الاستعارة بالكناية ، والجامع بينهما أنّ الدّهر يرمى بمصائبه وحوادثه المستندة إلى القضاء الإلهي الذي لا يتغيّر ولا يتبدّل ، كما أنّ الرامي يرمي بسهامه الغير الخاطئة ، وذكر القوس تخييل ، وذكر الايتار ترشيح ( و ) رشّح ثانية بقوله ( لا تخطي سهامه و ) ثالثة بأنه ( لا توسى جراحه ) أي لا تداوى ولا تصلح . ولما جعل الدّهر بمنزلة الرامي بيّن كيفيّة رميه بقوله ( يرمى الحىّ بالموت والصحيح بالسّقم والناجي بالعطب ) والهلاك وقوله ( آكل لا يشبع وشارب لا ينقع ) يعني أنّ الدهر آكل لا يشبع من أكل لحوم الناس وافنائهم ، وشارب لا يروى من شرب دمائهم ، وهو من باب التّشبيه البليغ على حدّ قولنا زيد أسد ، لا الاستعارة كما توهّمه البحراني ، لأنّ مبنى الاستعارة على تناسى التشبيه مبالغة كما في قولك رأيت أسدا يرمى ، فيلزمه أن لا يؤتي بطرفى التّشبيه معا في الكلام ، لأنّ الاتيان بهما يبطل ذلك الغرض ، وقد تقدّم تحقيقه في ديباجة الشرح . ( ومن العناء ) أي من عناء الدّنيا ومشقّتها ( أنّ المرء يجمع ) فيها ( ما لا يأكل ويبنى ما لا يسكن ) لا يزال مشغولا بالجمع والبناء حتى تتمّ المدّة وتقضى ( ثمّ يخرج إلى الله سبحانه ) فيدع ما جمع ويذر ما بنى يأكله الأعقاب والأبناء ويسكنه الأباعد والأعداء ( لا مالا حمل ) ه إلى محطَّه ( 1 ) ( ولا بناء نقل ) ه إلى مخطَّه وفي هذا المعنى قال الشّاعر : هبك بلَّغت كلَّما تشتهيه وملكت الزّمان تحكم فيه هل قصارى الحياة إلَّا الممات يسلب المرء كلّ ما يقتنيه

--> ( 1 ) المحط والمخط بالحاء المهملة والخاء المعجمة معا القبر ، منه