حبيب الله الهاشمي الخوئي

22

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

* ( الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا ) * . ( من أقلّ منها استكثر ممّا يؤمنه ومن استكثر منها استكثر ممّا يوبقه ) يعنى أنّ من ذهب في الدّنيا واكتفى بالقليل من متاعها طلب الكثير ممّا يوجب أمنه ونجاته في الآخرة ، ومن رغب فيها طلب الكثير من متاعها استكثر مما يوجبه هلاكه فيها ، لأنه ان كان من الحلال ففيه طول الحساب ، وان كان من الحرام ففيه أليم العذاب . ( وزال عمّا قليل عنه ) إشارة إلى مفسدة أخرى فيما استكثره مضافة إلى ايجابه هلاكه وهى أنّه لم يبق له بل زال بعد حين قليل عنه . ثمّ أشار عليه السّلام إلى مفاسد الرّكون إليها والاعتماد عليها بقوله : ( كم من واثق بها قد فجعته ) بأنواع الأحزان ( وذى طمأنينة إليها قد صرعته ) في مصارع الهوان ( وذى ابّهة ) وعظمة ( قد جعلته حقيرا ) مهينا ( وذى نخوة ) وكبر ( قد ردّته ذليلا ) مستكينا ( سلطانها دول ) يتداوله السّلاطين بينهم يكون تارة لهؤلاء ولهؤلاء أخرى ( وعيشها رنق ) متكدّر ( وعذبها أجاج ) مالح ( وحلوها صبر ) مرّ استعار لفظي العذب والحلو للذّاتها ولفظى الأجاج والمرّ لما يشوبها من الكدر والأسقام والجامع الاشتراك في الالتذاذ والايلام ( وغذائها سمام ) قاتلة ( وأسبابها ) أي حبالها ( رمام ) بالية ( حيّها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم ) أراد به إشراف الأحياء بالممات والأصحاء بالأسقام وقربهم منها ( ملكها مسلوب وعزيزها مغلوب وموفورها منكوب وجارها محروب ) أي وافر المال وصاحب الثروة فيها مثاب وجارها حريب أي مأخوذ منه جميع ماله هذا . ولما حذّر من الدّنيا بذكر معايبها أكدّ ذلك بالتنبيه على السّابقين فيها وقال ( ألستم في مساكن من كان قبلكم ) لكونهم ( أطول أعمارا ) فقد لبث نوح عليه السّلام في قومه ألف سنة الَّا خمسين عاما ، ومثله كثير ( وأبقى آثارا ) كما يشهد به الهرمان