حبيب الله الهاشمي الخوئي

23

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

والإيوان وسدّ يأجوج ومنارة الاسكندريّة ونحوها ( وأبعد آمالا ) لأنّ الأعمار إذا كانت أطول كانت الآمال أبعد لترتّب طول الأمل على طول العمر غالبا ( وأعدّ عديدا ) أي عدّد كثيرا من الجيوش ( وأكثف جنودا ) كفرعون وبخت نصر وغيرهما . ( تعبّدوا للدّنيا أىّ تعبّد ) أي قصّروا هممهم في الدّنيا وأظهروا العبوديّة والتذلل لها وأخذوها معبودا لهم وتعبّدوا الها كمال تعبّد ( وآثروها أىّ إيثار ) أي اختاروها على الآخرة تمام اختيار ( ثمّ ظعنوا ) وارتحلوا ( عنها بغير زاد مبلَّغ ) له إلى منزله ( ولا ظهر ) أي مركوب ( قاطع ) لطريقه وهما استعارتان للَّطاعات والقربات المؤدية له إلى حظيرة القدس الموصلة إلى مجلس الانس ( فهل بلغكم أنّ الدّنيا سخت لهم نفسا بفدية ) استفهام على سبيل الانكار كما أشرنا إليه سابقا ، والمراد أنها جادت ( 1 ) لهم حين ارتحالهم منها بطيب نفسها فداء ليكون عوضا عنهم حتّى لا يموتوا ولا يرتحلوا ، أو أنها ما بذلت لهم نفسا بأن تكون في هذا النفس فداء لهم ( أو أعانتهم بمعونة أو أحسنت لهم صحبة ) مع فرط محبّتهم لها وغاية رغبتهم إليها وشدّة انسهم بها ( بل أرهقتهم بالفوادح ) أي أغشتهم بالمثقلات ( وأوهنتهم بالقوارع ) أي أضعفتهم بالمحن والدّواهى القارعات ( وضعضعتهم بالنوائب ) والمصائب ( وعفرتهم للمناخر ) أي ألصقتهم على العفر والتراب لأنوفهم ( ووطئتهم بالمناسم ) والاخفاف وداستهم بالسّنابك والاظلاف ( وأعانت عليهم ريب المنون ) أي كانت معينا لحوادث الدّهر عليهم ( فقد رأيتم تنكَّرها ) وتغيّرها ( لمن دان لها ) وتقرّب بها ( وآثرها ) واختارها على غيرها ( وأخلد إليها ) واعتمد عليها ( حتّى ظعنوا عنها لفراق الأبد ) أي مفارقة دائمة لا عود بعدها ( هل زوّدتهم إلَّا السّغب ) والجوع ( أو أحلَّتهم إلَّا الضنك ) والضّيق ( أو نوّرت لهم إلَّا الظَّلمة ) أي جعلت الظلمة نورا لهم كما جعلت الجوع لهم زادا

--> ( 1 ) الأول مبنى على جعل نفسا تميزا من قبيل طاب زيد نفسا ، والثاني على من جعله مفعول سخت لتضمّنه معنى بذلت والأول أظهر منه