حبيب الله الهاشمي الخوئي
80
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ثمّ قال عليه السّلام : سلوني قبل أن تفقدوني ، فقام إليه الأشعث بن قيس فقال : يا أمير المؤمنين كيف يؤخذ من المجوس الجزية ولم ينزل عليهم كتاب ولم يبعث إليهم نبيّ قال عليه السّلام : بلى يا أشعث قد أنزل اللَّه عليهم كتابا وبعث إليهم رسولا حتّى كان لهم ملك سكر ذات ليلة فدعا بابنته إلى فراشه فارتكبها فلما أصبح تسامع به قومه فاجتمعوا إلى بابه فقالوا : أيها الملك دنّست علينا ديننا وأهلكته فأخرج نطهرّك ونقيم عليك الحدّ ، وقال لهم : اجتمعوا واسمعوا كلامي فان يكن لي مخرج ممّا ارتكبت وإلَّا فشأنكم ، فاجتمعوا فقال لهم : هل علمتم أنّ اللَّه لم يخلق خلقا أكرم عليه من أبينا آدم وأمّنا حوّا قالوا : صدقت أيها الملك ، قال : أفليس قد زوّج بنيه بناته وبناته من بنيه قالوا : صدقت هذا هو الدّين فتعاقدوا على ذلك فمحا اللَّه تعالى ما في صدورهم من العلم ورفع عنهم الكتاب ، فهم الكفرة يدخلون النّار بلا حساب ، والمنافقون أشدّ حالا منهم قال الأشعث : واللَّه ما سمعت بمثل هذا الجواب واللَّه لا عدت إلى مثلها أبدا . ثمّ قال : سلوني قبل أن تفقدوني : فقام رجل من أقصى المسجد متوكَّئا على عصاه فلم يزل يتخطأ النّاس حتّى دنا منه فقال : يا أمير المؤمنين دلَّني على عمل إذا أنا عملت نجاني اللَّه من النّار . قال له : اسمع يا هذا ثمّ افهم ، ثمّ استيقن ، قامت الدّنيا بثلاثة : بعالم ناطق مستعمل لعلمه ، وبغنيّ لا يبخل بما له على أهل دين اللَّه ، وبفقير صابر ، فإذا كتم العالم علمه وبخل الغني بما له ولم يصبر الفقير فعندها الويل والثبور ، وعندها يعرف العارفون أنّ الدّار قد رجعت إلى بديّها أي الكفر بعد الإيمان . أيّها السّائل فلا تغترن بكثرة المساجد وجماعة أقوام أجسادهم مجتمعة وقلوبهم شتّى إنّما النّاس ثلاثة : زاهد ، وراغب ، وصابر ، فاما الزاهد فلا يفرح بشيء من الدّنيا أتاه ولا يحزن منها على شيء فاته فاما الصابر فيتمناها بقلبه فان