حبيب الله الهاشمي الخوئي
43
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
طائفة أخرى على ما يقتضيه الحكمة ، أو كثّرها وقلَّلها بالنسبة إلى شخص واحد بحسب اختلاف الأزمان والحالات ( وقسّمها على الضّيق والسّعة ) لما كان المتبادر من القسمة البسط على التساوي بيّن ما أراده بذكر الضيق والسّعة ، ولمّا كان ذلك موهما للجور أردفه بذكر العدل وقال : ( فعدل فيها ) أي في تلك القسمة ثمّ أشار إلى نكتة العدل وحكمته بقوله ( ليبتلى من أراد بميسورها ومعسورها وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيّها وفقيرها ) نشر على ترتيب اللَّف على الظاهر والضمير فيهما راجع إلي الأرزاق وفي الإضافة توسّع ، ويحتمل عوده إلى الأشخاص المفهوم من المقام أو إلى الدّنيا أو إلى الأرض ولعلّ إحداهما أنسب ببعض الضمائر الآتية ، وقد مرّ تحقيق معنى اختبار اللَّه سبحانه وابتلائه في شرح الخطبة الثانية والستين . ومحصّل المراد أنّه سبحانه يبسط الرّزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ويجعل بعضهم غنيّا وبعضهم فقيرا ويختبر بذلك الشكر من الأغنياء والصبر من الفقراء ، لاعظام مثوباتهم وإعلاء درجاتهم إن شكروا وقنعوا ، وتشديد عقوباتهم واحتطاط مقاماتهم إن كفروا وجزعوا ، ويجيء لذلك إنشاء اللَّه مزيد توضيح في شرح الخطبة القاصعة ( ثمّ قرن بسعتها عقابيل فاقتها ) لا يخفى ما في تشبيه الفاقة وهى الفقر والحاجة أو آثارها بالعقابيل من اللَّطف ، لكونها مما يقبح في المنظر وتخرج في العضو الذي لا يتيسّر ستره عن النّاس وتشتمل على فوائد خفيّة ، وكذلك الفقر وما يتبعه ، وأيضا تكون غالبا بعد التلذّذ والتنعمّ ( وبسلامتها طوارق آفاتها ) أراد بها متجدّدات المصائب وما يأتي بغتة من الطروق وهو الاتيان باللَّيل ( وبفرج أفراجها غصص أتراحها ) أراد أنّ التفصّي من همومها مقارن لغصصها ، ونشاطها معقّب لهلاكها قال الأعشى : ولكن أرى الدّهر الذي هو خائن إذا صلحت كفاى عاد فأفسدا شباب وشيب وافتقار وثروة فللَّه هذا الدّهر كيف تردّدا