حبيب الله الهاشمي الخوئي
28
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
خيوط عنكبوت دقيقة خارجة عن ادراك البصر حتى تنبسط في جميع عرض الورق فيصل الماء في أجوافها إلى ساير أجزاء الورق لتسقيها وتغذيها بمنزلة العروق المبثوثة في بدن الانسان والحيوان لتوصل الغذاء إلى كلّ جزء منه وكذلك إلى ساير أجزاء الفواكه ، فانّ الماء المتحرّك بطبعه إلى سفل كيف انجذب إلى فوق من غير حامل أو قاسر ، فعلم أنّ له جاذبا آخر ومجرّكا خارجا عن الحسّ ليسخّره ويدبّره وينتهى بالأخرة إلى مدبّر السماوات والأرض جلَّت عظمته وتعالى شأنه . الثاني أنّ أصناف النبات والأشجار لما كانت محتاجة إلى الغذاء الدائم في بقاء نضرته وطراوته كحاجة الحيوان إلى الغذاء ولم يكن لها أفواه كأفواه الحيوان جعل لها أصول مركوزة في الأرض لتنزع منها الغذا فتؤدّيه إليها فصارت الأرض كالأمّ المرّبية وصارت أصولها كالأفواه الملتقمة للأرض ، وأيضا لولا تلك الأصول لما انتصب تلك الأشجار الطَّوال العظام ولم يكن لها ثبات ودوام في الريح العاصف ، فهي لها بمنزلة عمد الفساطيط والخيم تمدّ بالأطناب من كلّ جانب لتثبت منتصبة فلا تسقط ولا تميل ، ثمّ انظر إلى هذه العروق الصغار المنشعبة من الأصول المركوزة وأنها على دقّتها وضعفها كيف تجرى في أعماق الأرض وتسير فيها على صلبها عرضا وطولا الثالث إخراج أنواع مختلفه من النّبات وأصناف متشتّة من الأشجار من حبّ وعنب وقضب وزيتون ونخل ورمّان وفواكه كثيرة مختلفة الأشكال والألوان والطعوم والروايح يفضل بعضها على بعض في الاكل مع أنّها جميعا يسقى بماء واحد ويخرج من أرض واحدة فان قلت : سبب اختلافها بذورها وحبوبها قلنا : هل يكفى ذلك في ترتّب هذه الآثار فانّ الحبوب على اختلافها متشابهة في الصورة والجوهر فكيف يصير بهذا الاختلاف موجبة لهذه الأنواع المتباعدة المتباينة في الصور الجوهرية والكيفيّات والخاصيّة ، فهل كان في النواة نخلة مطوّقة بعنا قيد الرطب