حبيب الله الهاشمي الخوئي
27
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وأيضا ترى السّحاب يرشي الماء على الأرض ويرسله قطرات متفاضلة لا يدرك قطرة منها قطرة ولا يعلم عددها إلَّا الذي أوجدها ، ثمّ إنّ كلّ قطرة منها عيّنت لجزء من الأرض ولحيوان معيّن فيها من طيرو وحش ودود مكتوب عليها بخطَّ غيبيّ غير محسوس أنه رزق الحيوان الفلاني في الموضع الفلاني في الوقت الفلاني هذا ، مع ما في انعقاد البرد الصّلب من الماء اللَّطيف وفى تناثر الثلوج كالقطن المندوف من العجائب التي لا تحصى ، كلّ ذلك عناية من اللَّه سبحانه ورحمة منه على العباد ، وفيها هداية لمن استهدى ودراية لمن ابتغى الرشاد الخامسة في دلايل القدرة والعظمة في إنبات النبات والأشجار قال سبحانه : * ( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) * وقال * ( وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِه ِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ، وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ ، رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِه ِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ ) * . ودلايل القدرة في ذلك من وجوه : الأوّل أنّ الماء ثقيل بطبعه كما قلنا سابقا إنّه إذا انفصل قطرة منه من المزن تنزل إلى الأرض ولا تبقى في الجوّ بمقتضى طبعه فانظر إلى قدرته تعالى كيف رقا الماء المصبوب في أسفل الأشجار مع هذا الطبع والثقل إلى أعالي أغصانها ، فهوى إلى سفل ثمّ ارتفع إلى فوق في داخل تجاويف الأشجار شيئا فشيئا بحيث ينتشر في جميع الأوراق فغذاء كلّ جزء من كلّ ورقة تجرى إليه في تجاويف العروق ، ففي كلّ ورقة عرق ممتد طولا وينشعب منه عروق صغار كثيرة عرضا وطولا ، فكان الكبير نهل وما انشعب عنها جداول ، ثمّ ينشعب من الجداول سواقي أصغر منها ثمّ ينتشر منها