حبيب الله الهاشمي الخوئي
21
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
أمّا الجارية على الولاء فهي إما لدفع تاليها سابقها أولا نجذابه إليه لضرورة عدم الخلاء بأن يكون البخار الذي انقلب ماء وفاض إلى وجه الأرض ينجذب إلى مكانه ما يقوم مقامه لئلَّا يكون خلاء فينقلب هو أيضا ماء ويفيض ، وهكذا استتبع كلّ جزء منه جزء آخر وأما العيون الرّاكدة فهي حادثة من أبخرة لم تبلغ من قوّتها وكثرة موادّها أن يحصل منها معاونة شديدة أو يدفع اللَّاحق السابق وأما مياه القنى والآبار فهي متولَّدة من أبخرة ناقصة القوّة عن أن يشقّ الأرض ، فإذا أزيل ثقل الأرض عن وجهها صادفت منفذا تندفع إليه بأدنى حركة فإن لم يجعل هناك مسيل فهو البئر ، وإن جعل فهو القناة ، ونسبة القنا إلى الآبار كنسبة العيون السيالة إلى الراكدة ، وإنما كثر تفجّر العيون في الجبال والأماكن المرتفعة لشدّة احتقان الأبخرة تحتها بالنسبة إلى ساير الأماكن الهابطة الرّخوة ، فانّ الأرض إذا كانت رخوة نفضت « نفذت خ ل » فلا يكاد يجتمع منه قدر ما يعتدّ به وقال الشيخ : هذه الأبخرة إذا انبعث عيونا أمدّت البحار بصبّ الأنهار إليها ثمّ ارتفع من البحار والبطائح والأنهار وبطون الجبال خاصة أبخرة أخرى ، ثمّ قطرت ثانيا إليها فقامت بدل ما يتحلَّل منها على الدّور دائما الثالثة في حكمة خلق الهواء المشار إليها بقوله : وأعدّا لهواء متنسما لساكنها ، فأقول : فيه نفع عظيم للانسان والحيوان ، لأنّه من ضروريّات العيش لأنها مادّة النفس الذي لو انقطع ساعة عن الحيوان لمات ، وقيل هنا : إنّ كلّ ما كانت الحاجة إليه أشدّ كان وجدانه أسهل ولمّا كان احتياج الانسان إلى الهواء أعظم الحاجات حتّى لو انقطع عنه لحظة لمات لا جرم كان وجدانه أسهل من وجدان كلّ شيء ، وبعد الهواء الماء ، فانّ الحاجة إليه أيضا شديدة فلا جرم سهل أيضا وجدان الماء ، ولكن وجدان الهواء أسهل لأنّ الماء لا بدّ فيه من تكلَّف الاغتراف بخلاف الهواء