حبيب الله الهاشمي الخوئي
35
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ثمّ اخرج من بين صحبته ( 1 ) ( إلى دار غربته و ) من محلّ عزته إلى ( منقطع زورته ) ومن سعة قصره إلى ضيق قبره فحثّوا بأيديهم التراب وأكثروا التلدّد والانتحاب ، ووقفوا ساعة عليه وقد يئسوا من النّظر إليه ، ثمّ رجعوا عنه معولين ، وولَّوا مدبرين ( حتّى إذا انصرف المشيّع ورجع المتفجّع ) انتبه من نومته وأفاق من غشيته و ( اقعد في حفرته نجيّا لبهتة السّؤال ) ودهشته ( وعثرة الامتحان ) وزلَّته . ولعلّ المراد به أنّه يقعد في قبره مناجيا للمنكر وا لنكير أي مخاطبا ومجاوبا لهما سرّا لعدم قدرته على الاعلان من أجل الدّهشة والحيرة العارضة له من سؤالهما والعثرة التي ظهرت منه بسبب اختيارهما ، أو المراد أنّه يناجي ربّه في تلك الحال من هول الامتحان والسؤال ويقول ربّ ارجعون لعلَّي أعمل صالحا ( وأعظم ما هنا لك بليّة ) وابتلاء ( نزل الحميم وتصلية الجحيم ) كما قال تعالى : * ( وإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ هذا فَلْيَذُوقُوه حَمِيمٌ وغَسَّاقٌ ) * وفي سورة النَّبَأ * ( لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً ولا شَراباً إِلَّا حَمِيماً وغَسَّاقاً ) * قال بعض المفسّرين : إنّ الغسّاق عين في جهنّم يسيل إليها سمّ كلّ ذات حمة من حيّة وعقرب ، وقيل هو ما يسيل من دموعهم يسقونه من الحميم ، وقيل هو القيح الذي يسيل منهم يجمع ويسقونه ، وقيل إنّ الحميم الماء الحارّ الذي انتهت حرارته والغسّاق الماء البارد الذي انتهت برودته فهذا يحرق ببرده وذاك يحرق بحرّه . وقال الطَّريحي : الحميم الماء الحارّ الشّديد الحرارة يسقى منه أهل النار أو يصبّ على أبدانهم ، وعن ابن عبّاس لو سقطت منه نقطة على جبال الدّنيا
--> ( 1 ) جمع صاحب والملازم للانسان والمصاحب من أولاده وأقربائه وغيرهم .