حبيب الله الهاشمي الخوئي
340
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الثّالث أنّ كلّ صفة صحّ تعلَّق الإرادة بها فهي صفة فعل ، وما لا يصحّ تعلَّقها بها فهي صفة الذّات ، وذلك لأنّ الإرادة من توابع القدرة إذ هي عبارة عن اختيار أحد طرفي المقدور والعزم عليه لأجل تحقّق الدّاعي ، فما لا يكون مقدورا لا يكون مرادا ، وأيضا الإرادة صفة فعل حادثة والحادث لا يؤثر في القديم . إذا عرفت هذه المقدّمة الشريفة فأقول : إنّ الإرادة كما حقّقه صدر المتألَّهين في شرح الكافي تطلق على معنيين : أحدهما ما يفهمه الجمهور وهو الذي ضدّه الكراهة ، وهي التي قد تحصل فينا عقيب تصوّر الشيء الملايم وعقيب التردّد حتى يترجّح عندنا الأمر الداعي إلى الفعل أو الترك فيصدر أحدهما منا ، وهذا المعنى فينا من الصفات النفسانية ، وهى والكراهة فينا كالشهوة والغضب فينا ، وهذا المعنى لا يجوز على الله سبحانه ، بل ارادته نفس صدور الأفعال الحسنة منه من جهة علمه بوجه الخير وكراهته عدم صدور الفعل القبيح من جهة علمه بقبحه . كما قال المفيد ( ره ) : إنّ الإرادة من الله جلّ اسمه نفس الفعل ومن الخلق الضمير وأشباهه مما لا يجوز إلَّا على ذوى الحاجة والنقص وذلك لأنّ العقول شاهدة بأنّ القصد لا يكون إلَّا بقلب كما لا تكون الشهوة والمحبّة إلَّا لذي قلب ولا تصحّ النيّة والضمير والعزم إلَّا على ذيخاطر يضطرّ معه في الفعل الذي يقلب عليه إلى الإرادة له والنّية فيه والعزم ولما كان الله تعالى يجلّ عن الحاجات ويستحيل عليه الوصف بالجوارح والأدوات ولا يجوز عليه الدّواعى والخطرات ، بطل أن يكون محتاجا في الأفعال إلى القصود والعزمات ، وثبت أنّ وصفها بالإرادة مخالف في معناه لوصف العباد وأنها نفس فعله الأشياء وبذلك جاء الخبر عن أئمة الهدى . ثمّ أورد رواية صفوان بن يحيى قال : قلت لأبي الحسن عليه السّلام : أخبرني عن الإرادة من الله ومن الخلق قال : فقال عليه السّلام : الإرادة من الخلق الضمير ( 1 ) وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل ، وأما من الله تعالى فإرادته إحداثه لا غير ذلك ، لأنّه تعالى
--> ( 1 ) الضمير أي تصور الشيء وتوجّه الذهن اليه .