حبيب الله الهاشمي الخوئي
329
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الخافض أي فرّقها بأجناس أو على أجناس مختلفة ، وقوله : بدايا خلايق خبر لمبتدأ محذوف أي هي بدايا خلايق ، وإضافة بدايا إلى خلايق من باب إضافة الصّفة إلى موصوفها ، قال الشّارح المعتزلي : ويجوز أن لا يكون بدايا إضافة إليها بل يكون بدلا من أجناسا . أقول : فعلى هذا الاحتمال تكون بدايا صفة ثانية لأجناسا وما ذكرناه أظهر فتدبّر . المعنى اعلم أنّ هذا الفصل من الخطبة متضمن لتنزيه الله سبحانه في كيفية ايجاده للأشياء وخلقه لها عن صفات المصنوعين ، وفيه تنبيه على كون المخلوقين مذلَّين لانقياد حكمه ، مطيعين لأمره ، ماضين على ارادته ، غير متمرّدين عن طاعته كما قال عليه السّلام : ( قدّر ما خلق فأحكم تقديره ) يعني أنّ كلّ مخلوق قدّره في الوجود فعلى وفق حكمته بحيث لو زاد على ذلك المقدار أو نقص منه لاختلَّت مصلحة ذلك المقدّر وتغيّرت جهة المنفعة فيه ( ودبّره فألطف تدبيره ) يعني أنّه أوجد الأشياء على وفق المصلحة ونظام الخير فتصرّف فيها تصرّفات كلَّية وجزئيّة من غير شعور غيره ذلك . ( ووجّهه لوجهته فلم يتعدّ حدود منزلته ولم يقصر دون الانتهاء إلى غايته ) أراد أنّه سبحانه وجّه كلّ ما خلق إلى الجهة التي وجّهه إليها ، وألهم كلَّا ويسّره لما خلق له ، كالسحاب للمطر والحمار للحمل والنّحل للشمع والعسل وهكذا فلم يتجاوز شيء منها مرسوم تلك المنزلة المحدودة له المعيّنة في حقّه ، ولم يقصر دون الانتهاء إلى الغاية التي كتبت له في اللَّوح المحفوظ وإلَّا لزم التّغيّر في علمه وعدم النفاذ في أمره وهما محالان . ( ولم يستصعب إذ أمر بالمضيّ على إرادته ) أي لم يستصعب أحد من المخلوق التّوجّه إلى الجهة التي وجّهه إليها ، ولم يمكنه التّخلَّف من المضيّ إليها على وفق إرادته وحكمته بعد أمره له بذلك أمر تكوين لا تشريع .