حبيب الله الهاشمي الخوئي
330
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
( وكيف ) يستصعب ويتخلَّف ( وإنّما صدرت الأمور عن مشيّة المنشي أصناف الأشياء ) يعني أنّ جميع الآثار مستند إلى مشيّة إذ كلّ أثر فهو واجب عن مؤثّره والكلّ منته في سلسلة الحاجة إلى إرادته فهو واجب عنها . ويدلّ عليه ما رواه في الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن اذينة عن أبي عبد الله عليه السّلام قال : خلق الله المشيّة بنفسها ثمّ خلق الأشياء بالمشيّة . وسيأتي تحقيق الكلام في ذلك بعد الفراغ من شرح الفصل ، هذا وقوله عليه السّلام ( بلا رويّة فكر آل إليها ولا قريحة غريزة أضمر عليها ولا تجربة أفادها من حوادث الدّهور ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور ) إشارة إلى تنزّهه في ايجاد المخلوقات عن الافتقار إلى هذه الأمور ، وأنّ ذاته بذاته مصدر جميع الأمور وأنّ خلقه سبحانه لها غير موقوف على شيء منها . أمّا رويّة الفكر فلأنها عبارة عن حركة القوّة المفكَّرة في تحصيل المطالب من المبادي وانتقالها منها إليها وهي محال على الله سبحانه : « أمّا أوّلا » فلكون القوّة المفكَّرة من خواصّ نوع الانسان « وأمّا ثانيا » فلأنّ فايدتها تحصيل المطالب المجهولة من المعلومات والجهل محال في حقه تعالى وأمّا قريحة الغريزة فلانّها على ما عرفت عبارة عن استنباط العلم بجودة الذهن ، واستحالته على الله واضحة إذ العلم عين ذاته وهو تعالى غير فاقد له حتّى يكون محتاجا إلى التّعمق والاستنباط والنظر في موارده ومصادره والاستقصاء عليه وبلوغ الغاية فيه وأمّا التجربة فلأنّها عبارة عن حكم العقل بأمر على أمر بواسطة مشاهدات متكرّرة معدّة لليقين بسبب انضمام قياس خفيّ إليها ، وهو أنّه لو كان هذا الأمر اتفاقيّا لما كان دائما أو أكثريّا واستحالتها على الله من وجهين : أحدهما أنّها ، مركبة من مقتضى الحسّ والعقل ، وذلك أنّ الحسّ يشاهد وقوع الاسهال مثلا