حبيب الله الهاشمي الخوئي
315
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
قدرته وحاول الفكر المبرء من خطرات الوسواس ان يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته وتولَّهت القلوب إليه لتجري في كيفيّة صفاته وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصّفات لتنال علم ذاته ردعها ) وهذه الجملة أعنى قوله عليه السّلام إذا ارتمت إلى الآخر شرطية متصلة متعدّدة المقدم متّحدة التّالى وهو ردعها ، وهي بمنزلة شرطيّات متعدّدة . والمقصود بذلك أنّ الأوهام إذا ترامت واسترسلت مجدّة في التفتيش عن منتهى قدرته ، نكصت عن ذلك ، لأنّ قدرته تعالى متعلَّق بجميع المقدورات لا نهاية له حتّى يبلغ الأوهام إلى غايته ومنتهاه . وإنّ الفكر الصافي الخالي عن وساوس الشّيطان وشوائب الأوهام إذا قصد أن يقع على ذاته ويستثبتها بكلّ ما ينبغي لها من الكمالات في عميقات مغيبات عزّته وسلطانه ومملكته ، كلّ وحسر لقصوره عن إدراك ما لا نهاية له . وانّ القلوب إذا اشتدّ شوقها إليه وتولهت نحوه لتقف على كيفيّة صفاته عجزت ، وذلك لأنّ صفاته كذاته قديمة والكيف مهيّة امكانيّة مفتقرة إلى الجعل حادثة وهو سبحانه منزّه عن كونه محلَّا للحوادث فليس لذاته وصفاته كيفيّة حتّى يقف عليها العقول ولذلك قال أبو عبد الله عليه السّلام : وكيف أصفه بالكيف وهو الذي كيّف الكيف حتّى صار كيفا ، فعرّف الكيف بما كيّف لنا من الكيف . وأنّ العقول إذا غمضت مداخلها أي خفيت مواقع دخولها في دقايق العلوم النّظرية الإلهية بحيث لا توصف لدقتها طالبة ان تعلم حقيقة ذاته انقطعت وأعيت لقصور العقول عن الوصول إلى حقيقة ما ليس بذى حدّ ولا تركيب . ومحصّل الكلام أنّ هذه القوى التي هي أعظم المشاعر الانسانية لو حاولت التعمّق والاستقصاء في معرفة ذات الله الأعلى وصفاته الحسنى وأرادت الخوض في بحار ملكه وملكوته ، وقفت خاسئة ورجعت حسيرة ، لقصورها عن إدراك هذه المطالب العظيمة وردعها الله تعالى عن ذلك ومنعها من أن تحوم حول ذلك . ( وهي تجوب مهاوى سدف الغيوب متخلَّصة إليه سبحانه ) أي تقطع مهاوي