حبيب الله الهاشمي الخوئي
316
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ظلمات الغيوب حال كونها متوجّهة بكلَّيتها إليه سبحانه في طلب إدراكه تعالى ( فرجعت إذ جبهت ) وردّت ( معترفة ) ومذعنة ( بأنّه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته ) أي لا ينال باعتساف المسافات التي بينها وبينه وبشدّة الجولان في تلك المنازل إلى كنه معرفته سبحانه . إذ بينه وبين خلقه منازل غير متناهية ، ومعارج غير مستقصاة بعضها نورانيّة وبعضها ظلمانيّة لا بدّ للسّالك من قطع جميعها حتّى يصل إلى باب الرّبوبية ، وأنّى له بذلك وأين التراب من ربّ الأرباب فجور الاعتساف غير نافع في تحصيل ما لا يمكن . ( و ) لذلك اعترفت العقول بأنّه لا ينال بذلك كنه معرفته كما اعترفت بأنه ( لا تخطر ببال أولى الرّويات خاطرة من تقدير جلال عزّته ) إذ كلّ ما يخطر ببال أرباب الفكر وكلّ ما يتصوّره أولو النظر في حقّه سبحانه وإن كان جليلا عظيما فهو أجلّ وأعظم من ذلك ، لأنّ ذلك صفة الواصفين لا صفة الرّب العظيم . قال فضيل بن يسار فيما رواه عنه في الكافي : سمعت أبا عبد الله عليه السّلام يقول : إنّ الله لا يوصف وكيف يوصف وقد قال في كتابه : * ( وما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِه ) * . فلا يوصف بقدر إلَّا كان أعظم من ذلك . وروى عن محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام أنّ كلّ ما تصوّره أحد في عقله أو وهمه أو خياله فاللَّه سبحانه غيره وورائه ، لأنّه مخلوق والمخلوق لا يكون من صفات الخالق . ( الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ولا مقدار احتذى عليه من خالق معبود كان قبله ) أراد بذلك التنبيه على كون ايجاده للعالم بمحض الابداع والاختراع وعدم كونه مستفادا من الغير . بيان ذلك أن الصّنايع البشريّة إنما تحصل بعد أن يرتسم في القوّة المتخيلة