حبيب الله الهاشمي الخوئي
294
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
واستدلّ المعتزلة على المذهب المختار بقوله سبحانه : * ( ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) * حيث مدحهم بانفاقهم من رزقة فلا بدّ أن يكون الرّزق حلالا إذ الانفاق من الحرام بمعزل عن إيجاب المدح . أقول : ولا يخفى ما فيه : إذ يجوز جعل من تبعيضيّة فيكون معنى الآية أنّهم ينفقون بعض ما رزقهم الله ، ومدحهم بذلك يستلزم أن يكون ما أنفقوه حلالا ولا يستلزم أن يكون جميع ما رزقهم الله حلالا ، وهو واضح . واستدلّ بعض أصحابنا بما رواها العامة والخاصّة من خطبته صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في حجّة الوداع وهي صريحة غير قابلة للتّأويل . ورواها الكلينيّ باسناده إلى الامام أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام قال : قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في حجّة الوداع : ألَّا إنّ الرّوح الأمين نفث في روعى أنه لا تموت نفس حتّى تستكمل رزقها ، فاتّقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء شيء من الرّزق أن تطلبوه بشيء من معصية الله ، فانّ الله تعالى قسّم الأرزاق بين خلقه حلالا ولم يقسّمها حراما ، فمن اتّقى الله وصبر أتاه رزقه من حلَّه ، ومن هتك حجاب ستر الله وعجّل وأخذه من غير حلَّه قصّ به من رزقه الحلال وحوسب عليه يوم القيامة ، هذا . وبقى الكلام في أنّ الرزق هل يقبل الزيادة والنّقصان بالسّعى وعدمه ظاهر بعض الأخبار العدم ، وهو ما رواه في الكافي باسناده إلى أمير المؤمنين عليه السّلام أنه قال : ايّها النّاس اعلموا أنّ كمال الدّين طلب العلم والعمل به ألا وإنّ طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال إنّ المال مقسوم مضمون لكم قد قسّمه عادل بينكم وضمنه وسيفي لكم ، والعلم مخزون عند أهله وقد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه . وفي دعاء الصّحيفة السجادية على صاحبها آلاف الصّلاة والسّلام والتّحية جعل لكلّ روح منهم قوتا معلوما مقسوما من رزقة لا ينقص من زاده ناقص ولا يزيد من نقص منهم زائد ، يعنى أنّ من زاد الله رزقه منهم لا ينقصه ناقص ، ومن نقصه سبحانه