حبيب الله الهاشمي الخوئي

220

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وكان عليه السّلام بشره دايم وثغره باسم غيث لمن رغب وغياث لمن ذهب مآل الآمل وثمال الأرامل يتعطف على رعيته ويتصرّف على مشيته ويكفّه بحجّته وتكفيه بمهجته . ونظر إلى امرئه على كتفها قربة ماء فأخذ منها القربة فحملها إلى موضعها وسألها عن حالها فقالت بعث عليّ بن أبي طالب زوجي إلى بعض الثغور فقتل وترك علىّ صبيانا يتامى وليس عندي شيء فقد ألجأتني الضّرورة إلى خدمة النّاس ، فانصرف عليه السّلام وبات ليلته قلقا فلما أصبح حمل زنبيلا فيه طعام فقال بعضهم : أعطني أحمله عنك ، فقال عليه السّلام : من يحمل وزرى عنّي يوم القيامة فأتى وقرع الباب فقالت من هذا قال : أنا ذلك العبد الذي حمل معك القربة فافتحي فانّ معي شيئا للصّبيان فقالت : رضى الله عنك وحكم بيني وبين عليّ بن أبي طالب ، فدخل وقال : إنّي أحببت اكتساب الثواب فاختاري بين أن تعجنين وتخبزين وبين أن تعلَّلين الصبيان لأخبز أنا فقالت أنا بالخبز أبصر وعليه أقدر ولكن شأنك والصّبيان فعلَّلهم حتّى أفرغ من الخبز . قال : فعمدت إلى الدّقيق فعجنه وعمد عليّ عليه السّلام إلى اللَّحم فطبخه وجعل يلقم الصبيان من اللَّحم والتمر وغيره ، فكلَّما ناول الصبيان من ذلك شيئا قال له : يا بنيّ اجعل عليّ بن أبي طالب في حلّ ممّا أمر في أمرك فلما اختمر العجين قالت : يا عبد الله اسجر التنّور ، فبادر عليه السّلام بسجره فلما أشعله ولقح في وجهه يقول : ذق يا علىّ هذا جزاء من ضيّع الأرامل واليتامى ، فرأته امرأة تعرفه عليه السّلام ، فقالت : ويحك هذا أمير المؤمنين عليه السّلام ، قال : فبادرت المرأة وهي تقول واحيائي منك يا أمير المؤمنين ، فقال عليه السّلام بل واحيائي منك يا أمة الله فيما قصرت في أمرك . ثمّ إنّه عليه السّلام بعد ما أشار إلى جملة من فضايله ومناقبه أردفه بقوله : ( فلا تستعملوا الرّأى فيما لا يدرك قعره البصر ولا يتغلغل ) اى لا يسرع ولا يدخل ( إليه الفكر ) والمقصود بذلك النهى عن استعمال الرأي فيما ذكره عليه السّلام من خصايص العترة الطَّاهرة وعجايب ما خصّهم الله به من الأنوار الباهرة .