حبيب الله الهاشمي الخوئي
171
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
المراد بالبعيد هو الموت الذي يراه الغافلون بعيدا وبتقريبه على نفسه هو مبادرته إليه وجعله له نصب عينيه وترقّبه له وعدم غفلته عنه صباحا ومساء ، لأنّه بعد ما هيّأ أسبابه وأعدّ القرى له لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه وأمّا ما ذكره الشّارح البحراني من احتمال كون المراد بالبعيد هو رحمة اللَّه البعيد عن مستحقّها ، وبتقريبه تحسين العمل أو كون المراد به أمله الطَّويل في الدنيا وبتقريبه تقصير الأمل فمضافا إلى بعده في نفسه غير ملايم لظاهر العطف بالفاء وإن أمكن توجيهه بتكلَّف . ( و ) السادس أنّه ( هوّن الشديد ) يحتمل أن يكون المراد بالشديد شدايد الموت ودواهيه وما يتلو ذلك ، فيكون المراد بتهوينها تسهيلها بالأعمال الصّالحة وهو من ثمرات اعداده القرى للموت ، وأن يكون المراد به شدايد الطاعات وكلفة المجاهدات والرّياضيات ، فيكون المراد بتهوينها تحملها والصّبر لها وحبس النّفس عليها ، وهو من فروع شروق مصباح الهدى في قلبه . والسّابع انّه ( نظر فأبصر ) أي تفكَّر في الملك والملكوت فصار ذا معرفة وبصيرة كما قال سبحانه : * ( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّه الْحَقُّ ) * ( و ) الثّامن أنّه ( ذكر فاستكثر ) أي ذكر الله فاستكثر من ذكره إذ بذكره تسكن النّفوس كما قال سبحانه : * ( أَلا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) * . وبكثرة ذكره تنال المحمدة والثّناء عند اللَّه كما قال تعالى : * ( رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله ) * ( و ) التّاسع أنه ( ارتوى من عذب فرات سهلت له موارده ) شبّه عليه السّلام العلوم الحقّة والمعارف الالهيّة المفاضة على العارف بالماء الصّافي العذب الزّلال فاستعاره لها ورشّحه بذكر الارتواء كما أنّه استعار في الكلام السّابع عشر للعقايد