حبيب الله الهاشمي الخوئي

6

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

والباطن بالصّمديّة عن أبي بكر الوراق وقيل إنّ الواوات مفتّحة والمعنى هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن ، لأنّ من كان منّا أولا لا يكون آخرا ، ومن كان ظاهرا لا يكون باطنا ، عن عبد العزيز بن يحيى وقيل هو الأوّل القديم ، والآخر الرّحيم والظاهر الحكيم ، والباطن العليم عن يمان وأمّا الثاني فتحقيقه ما ذكره الشّارح البحراني وهو أنّه لمّا ثبت أنّ السّبق والمقارنة والقبلية والبعديّة أمور تلحق الزمان لذاته وتلحق الزمانيات به وثبت أنّه تعالى منزه عن الزّمان إذ كان من لواحق الحركة المتأخّرة عن وجود الجسم المتأخّر عن وجود اللَّه سبحانه كما علم ذلك في موضعه ، لا جرم لم تلحق ذاته المقدّسة ومالها من صفات الكمال ونعوت الجلال شيء من لواحق الزّمان ، فلم يجز إذن أن يقال مثلا كونه عالما قبل كونه قادرا أو كونه قادرا قبل كونه مريدا أو كونه حيّا قبل كونه عالما ولا كونه أوّلا للعالم قبل كونه آخرا له قبلية وسبقا زمانيا بقي أن يقال إنّ القبلية والبعديّة قد يطلق بمعان آخر كالقبليّة بالشّرف والذّات والفضيلة والعلية ، وقد بيّنا أنّ كلّ ما يلحق ذاته المقدّسة من الصّفات فاعتبارات ذهنيّة تحدّثها العقول عند مقايسته إلى مخلوقاته وشئ من تلك الاعتبارات لا تفاوت أيضا بالقبليّة والبعديّة بأحد المعاني المذكورة بالنّظر إلى ذاته المقدسة فلا يقال مثلا : هو المستحقّ لهذا الاعتبار قبل هذا الاعتبار أو بعده وإلَّا لكان كمال ذاته قابلا للزيادة والنّقصان ، بل استحقاقه بالنّظر إلى ذاته لما يصحّ أن يعتبر لها استحقاق وجه بالنّظر إلى جميعها دائما فلا حال يفرض إلَّا وهو يستحق فيه أن يعتبر له الأوّليّة والآخريّة معا استحقاقا أوّليّا ذاتيا ، لا على وجه التّرتيب وإن تفاوت الاعتبارات بالنّظر إلى اعتبارنا ، وهذا بخلاف غيره من الأمور الزّمانية ، فانّ الجوهر مثلا يصدق عليه كونه أوّلا من العرض ولا يصدق عليه مع ذلك أنّه آخر له حتّى لو فرضنا عدم جميع الاعراض وبقاء الجوهر بعدها لم يكن استحقاقه للاعتبارين معا بل استحقاقه لاعتبار الأوليّة متقدّم .