حبيب الله الهاشمي الخوئي
411
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
فهم في بطون الأرض بعد ظهورها محاسنهم فيها بوال ( 1 ) دواثر ( 2 ) خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم وساقتهم نحو المنايا المقادر وخلَّوا عن الدّنيا وما جمعوا لها وضمّنهم تحت التراب الحفاير ( 3 ) فلكم اليوم بالقوم اعتبار ، وسوف تحلَّون مثلهم دار البوار ، فالبدار البدار والحذار الحذار من الدّنيا ومكايدها وما نصبت لكم من مصايدها ، وتجلَّى لكم من زينتها واستشرف لكم من فتنتها وفي دون ما عاينت من فجعاتها إلى رفضها داع وبالزّهد آمر فجدّ ولا تغفل فعيشك زائل وأنت إلى دار المنيّة صائر فهل يحرص عليها لبيب ، أو يسرّ بلذّتها أريب ، وهو على ثقة من فنائها وغير طامع في بقائها ، أم كيف تنام عين من يخشى البيات أو تسكن نفس من يتوقّع الممات أم كيف ( تحتذون أمثلتهم وتركبون قدتهم وتطئون جادّتهم ) تفعلون مثل أفعالهم وتقتفون آثارهم وتسلكون مسالكهم وتقولون : « إنّا وجدنا آبائنا على أمّة وإنّا على آثارهم مقتدون » ( فالقلوب قاسية عن حظَّها ) جافية عن إدراك نصيبها الذي ينبغي لها إدراكه ( لاهية عن رشدها ) غافلة عن طلب هدايتها ( سالكة في غير مضمارها ) الذي يلزم عليها سلوكه . يعني أنّ اللَّازم على القلوب تحصيل المعارف اليقينيّة والعقائد الحقّة والتفكَّر في آثار الجبروت والقدرة والاتّعاظ بالحكم والموعظة الحسنة فهي لقسوتها وجفاوتها بكثرة الذّنوب التي اقترفتها لم يبق لها قابليّة واستعداد لادراك حظَّها ونصيبها الذي ذكرناه وغفلت عن الاهتداء بالأنوار الإلهية وسلكت في غير جادّة الشريعة ( كأنّ المعنيّ ) والمقصود بالأحكام الشّرعيّة والتّكاليف الالهيّة ( سواها وكأنّ الرّشد ) الَّذى أمرت به ( في إحراز دنياها ) .
--> ( 1 ) جمع بالية ( 2 ) من الدثور وهو الدروس ( 3 ) لعلَّه جمع الحفر وهو القبر