حبيب الله الهاشمي الخوئي

408

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وحلَّوا بدار لا تزاور بينهم وأنّى لسكَّان القبور التّزاور فما أن ترى إلَّا جثى ( 1 ) قد ثووا بها ( 2 ) مسنّمة ( 3 ) تسفى عليه الأعاصر ( 4 ) ( قد هتكت الهوام جلدته وابلت النّواهك جدته ) أي قطع هو أم الأرض جلده وصار طعمة للعقارب والحيّات والحشرات المؤذيات واخلقت مبالغات الدّهر التي أجهدته وأضننته وهزلته جدته ونضرة شبابه ، فصار خلقا باليا بعد ما كان جديد اغضيضا طريّا بمصائب الدّهر ونوائبه وأوصابه وأتعابه ( وعفت ) الرّياح ( العواصف آثاره ومحى ) النوائب و ( الحدثان معالمه ) فلم يبق في وجه الأرض منه خبر ولا عن قبره عين ولا أثر ، حيث فقدته العيون وتوالت عليه السّنون ( وصارت الأجساد شحبة ) متغيّرة هزلة ( بعد بضّتها ) ونعومتها وامتلائها ( والعظام نخرة ) بالية متفتتة ( بعد قوّتها ) وشدّتها ( والأرواح مرتهنة ) مقبوضة ( بثقل أعمالها ) وأحمالها كما قال تعالى : * ( كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ) * . أي محبوس بعمله حتّى يعامل بما يستحقّه ويجازي بما عمله إن عمل طاعة أثيب وإن عمل معصية عوقب ، وفي سورة المدّثر * ( كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ ) * قال الطبرسيّ : أي مرهونة بعملها محبوسة به مطالبة بما كسبته من طاعة أو معصية ، فالرّهن أخذ الشيء بأمر على أن لا يرد إلَّا بالخروج منه فكذلك هؤلاء الضّلال قد اخذوا برهن لافكاك له ، والكسب هو كلّ ما يجتلب به نفع أو يدفع به

--> ( 1 ) جمع جثوة اى تربة مجموعة ، لغة ( 2 ) أي أقاموا ( 3 ) أي مرتفعة ومنه قبر مسنّم ( 4 ) هي ريح تثير الغبار يرتفع إلى السماء كأنه عمود .