حبيب الله الهاشمي الخوئي
398
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
موافقة للجهات والجوانب التي جعلت فيها ملائمة لها في صورها التركيبيّة . مثلا جعل اليدين في اليمين واليسار أنسب من كونهما في الرّأس ، وكون العينين في الرّأس أولى من كونهما في الظهر أو البطن وكذلك كون ثقب الأنف في أسفله أنسب وأحسن من كونه في أعلاه ، وكون المثانة والمعدة في أسافل البدن أليق وهكذا وقد مرّ حكمة بعض ذلك في رواية المفضّل وستعرف البعض في التّبصرة الآتية مضافا إلى الحسن والبهجة والالتيام والمناسبة المقرّرة في هذه الصّور المجعولة ألا ترى أنّ من لم يكن له حاجب فوق عينه أو سقطت الأشفار من طرف عينه كيف يكون قبيح الصّورة كريه المنظر ، وهكذا ساير الأعضاء ، هذا كلَّه لو كان الحنوفي كلامه بمعنى الجانب والجهة ، ولو جعلناه بمعنى العضو المعوج فيكون المراد أنّه تعالى جعل الأعضاء المستقيمة من البدن ملائمة للأعضاء المعوّجة في صورها المركبة فلا يناسب المستقيمة موضع المعوّجة ولا المعوّجة موضع المستقيمة ولا يصادم حسن الاستقامة للاعوجاج ولا الاعوجاج للاستقامة ، إذ كلّ منهما في موقعهما حسن وأحسن فتبارك اللَّه أحسن الخالقين . وأمّا قوله عليه السّلام : ومدد عمرها ، فالظاهر أنّه أراد به أنّ اللَّه جعل مدد عمر كلّ من الأعضاء ملائمة للآخر مقارنة له بحيث لا يفنى بعض الأعضاء قبل فناء الآخر فيكون الكلام محمولا على الغالب فافهم . وقوله عليه السّلام ( بأبدان قائمة بأرفاقها وقلوب رائدة لأرزاقها ) أي قائمة بمصالحها ومنافعها أو أنّ قوامها باستعانة أرواحها على الرّواية الأخرى السّالفة في بيان اللغة وقلوب طالبة لأرزاقها جالبة لها إليها . والضمير في أرزاقها يحتمل رجوعه إلى الأبدان ورجوعه إلى نفس القلوب ، وعلى الأوّل فالمراد بالرّزق الرّزق الجسماني ، وعلى الثّاني فالمراد به الرزق الرّوحاني أعنى العلوم الحقّة والمعارف الشرعية والعقائد الالهيّة الموجبة للسّعادة في الدّارين ، والمحصلة للعزّة في النّشأتين ، فانّ القلب هو الطالب الجالب لتلك الأرزاق إلى نفسها كما أنّه هو الطالب الجالب للأرزاق إلى البدن ولو بتوسط الآلات البدنيّة .