حبيب الله الهاشمي الخوئي

399

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

إذ هو العالم باللَّه ، وهو المتقرّب إلى اللَّه ، وهو المحصّل لرضوان اللَّه ، وهو السّاعي إلى اللَّه ، وهو المكاشف بما عند اللَّه ، وهو في الحقيقة سلطان مملكة البدن يستخدم الآلات والجوارح يأمرها وينهيها ويستعملها استعمال المالك لعبده والسّلطان لرعيّته ، وتحقيق ذلك موقوف على شرح حال القلب ومعرفة عجائب صفاته . فأقول : إنّ القلب كما حقّقه الغزالي يطلق على معنيين : أحدهما اللحم الصّنوبري الشّكل المودع في الجانب الأيسر من الصّدر ، وهو لحم مخصوص وفي باطنه تجويف وفي ذلك التجويف دم أسود هو منبع الرّوح ومعدنه ، وهو بهذا المعنى موجود للانسان والحيوان والحىّ والميّت ، ومرئي بحسّ العيان ويدركه الحيوان بحاسّة البصر كما يدركه الانسان ولا يتعلَّق به غرضنا في المقام . الثّاني هو جوهرة لطيفة ربّانيّة نورانيّة روحانيّة لها تعلَّق بالقلب الجسماني الذي ذكرناه وهي حقيقة الانسان وبها تمامه وكماله وهو المدرك العالم العارف وهو المخاطب والمطالب ، وله جنود وأعوان وأنصار فمن تلك الجنود ما يرى بالأبصار كالأعضاء الظاهرة من اليد والرّجل والعين والاذن واللسان ونحوها ، وما لا يرى بالابصار كالحواس الباطنة والشّهوة والغضب ونحوها ، فجميعها خادمة للقلب منقادة لحكمه مسخّرة له وقد خلقت مجبولة على طاعته لا تستطيع له خلافا ولا عليه تمرّدا . فإذا أمر العين بالانفتاح انفتحت وبالانطباق انطبقت والرّجل بالحركة تحرّكت وبالسّكون امتثلت واللسان بالكلام تكلَّم وبالسّكوت أمسك ، وكذا ساير الأعضاء . وإنّما افتقر إلى هذه الجنود من حيث افتقاره إلى المركب والزّاد لسفره الذي يجب له سلوكه ولأجل مسيره خلق ، وهو السّفر إلى اللَّه وقطع المنازل إلى لقائه ومركبه البدن وزاده المعرفة والأسباب التي توصله إلى الزّاد وتمكَّنه من التّزوّد هو العمل الصالح .