حبيب الله الهاشمي الخوئي
352
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
المعنى اعلم أنّ هذا الفصل من الخطبة مسوق للوصيّة بالتّقوى والخشية من اللَّه ومتضمّن للتنفّر عن الدّنيا بذكر معايبها ومثالبها فأمر أوّلا بالتّقوى بقوله ( أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه الذي ضرب لكم الأمثال ) أي ضربها لكم في القرآن للتذكرة والموعظة كما قال تعالى : * ( وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) * اي ليتذكَّروا بتلك الأمثال ويتدبّروا فيها فيعتبروا ، والأمثال التي ضربها لهم فيه كثيرة منها قوله تعالى بعد الآية السّابقة . * ( ضَرَبَ ا للهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيه ِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّه ِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) * . فانّه مثل ضربه سبحانه لعبدة الأصنام وللمخلصين بتوحيده ، ويعني بقوله رجلا فيه شركاء أنّه يعبد آلهة مختلفة وأصناما ، وهم متشاجرون متعاسرون هذا يأمره وهذا ينهاه ويريد كلّ واحد منهم أن يفرّده بالخدمة ثمّ يكل كلّ منهم أمره إلى الآخر ويكل الآخر إلى آخر فيبقى هو خاليا من المنافع وهذا حال من يخدم جماعة مختلفة الآراء والأهواء وهو مثل الكافر . وأمّا مثل المؤمن الموحّد فرجل سلم أي خالص يخدم مالكا واحدا لا يشوب بخدمته خدمة غيره ولا يأمل سواه ومن كان بهذه الصفة نال ثمرة خدمته لا سيّما إذا كان المخدوم قادرا كريما حكيما . ومنها قوله تعالى في سورة يونس : * ( إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناه ُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِه ِ نَباتُ ) *