حبيب الله الهاشمي الخوئي
279
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ثم أقبلت عليه فقلت ندع ما يدلّ على بطلان احكام النجوم ممّا يحتاج إلى ظن دقيق وروية طويلة وههنا شيء قريب لا يخفى على أحد ممن علت طبقته في الفهم أو انخفضت . خبرني لو فرضنا جادّة مسلوكة وطريقا يمشى فيه النّاس ليلا ونهارا وفي محجته آبار متقاربة وبين بعضها وبعض طريق يحتاج سالكه إلى تأمّل وتوقف حتّى يتخلَّص من السّقوط في بعض تلك الآبار هل يجوز أن يكون سلامة من يمشي في هذا الطريق من العميان كسلامة من يمشي من البصراء ، وقد فرضنا أنّه لا يخلو طرفة عين من المشاة فيه بصراء وعميان وهل يجوز أن يكون عطب البصراء يقارب عطب العميان أو سلامة العميان مقاربة بسلامة البصراء فقال : هذا ممّا لا يجوز بل الواجب أن تكون سلامة البصراء أكثر من سلامة العميان ولا يجوز في مثل هذا التّقارب . فقلت : إذا كان هذا محالا فاحيلوا نظيره وما لا فرق بينه وبينه وأنتم تجيزون شبيه ما ذكرناه وعديله ، لأنّ البصراء هم الذين يعرفون أحكام النّجوم ويميزّون سعدها من نحسها ويتوقون بهذه المعرفة مضارّ الزّمان ويتحفّظونها ويعتمدون منافعه ويقصدونها ، ومثال العميان كلّ من لا يحسن تعلَّم النّجوم ولا يلتفت إليه من الفقهاء والفهماء وأهل الدّيانات والعبادات ثمّ ساير العوام والأعراب والأكراد وهم أضعاف أضعاف من يراعى عدد النّجوم ، ومثال الطريق الذي فيه الآبار الزّمان الذي يمضى عليه الخلق أجمعون ، ومثال آباره مصايبه ونوائبه ومحنه . وقد كان يجب لو صحّ العلم بالنجوم وأحكامها أن تكون سلامة المنجّمين أكثر ومصايبهم أقلّ لأنّهم يتوقّون المحن لعلمهم بها قبل كونها وتكون محن كلّ من ذكرناه من الطبقات الكثيرة أوفر وأظهر حتّى تكون السّلامة هي الطريقة الغريبة وقد علمنا خلاف ذلك أنّ السّلامة والمحن متقاربة غير متفاوتة . فقال : ربّما اتّفق مثل ذلك ، فقلت له : فيجب أن نصدّق من خبرنا في ذلك الطريق المسلوك الذي فرضناه بأنّ سلامة العميان كسلامة البصراء ، ونقول لعلّ