حبيب الله الهاشمي الخوئي

233

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

* ( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) * . فقال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنا المنذر وفى كلّ زمان إمام منّا يهديهم إلى ما جاء به نبيّ اللَّه والهداة من بعده عليّ ثمّ الأوصياء من بعده واحد بعد واحد ، واللَّه ما ذهبت منّا وما زالت فينا إلى السّاعة ، رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله المنذر وبعليّ يهتدي المهتدون . والأخبار في هذا المعنى كثيرة بالغة حدّ الاستفاضة يطول الكتاب بذكرها وقد روى في غاية المرام ثلاثين رواية من طريق العامّة والخاصّة في ذلك من أراد الاطلاع فليراجع إليه . الرابع قوله ( راقب ربّه ) والمراقبة احدى ثمرات الايمان وهي على ما قيل رتبة عظيمة من رتب السّالكين ، وحقيقتها أنّها حالة للنّفس يثمرها نوع خاص من المعرفة ولها تأثير خاصّ في القلب والجوارح أمّا الحالة فهي مراعاة القلب للرّقيب واشتغاله به ، وأما العلم المثمر لها فهو العلم بأنّ اللَّه تعالى مطلع على الضمائر والسّرائر قائم على كلّ نفس بما كسبت كما قال تعالى : * ( إِنَّ ا للهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) * . فهذه المعرفة إذا استولت على القلب ولم يبق فيها شبهة فلا بدّ أن تجذ به إلى مراعاة الرّقيب ، والموقنون بهذه المعرفة طائفتان . إحداها الصّديقون ومراقبتهم التّعظيم والاجلال واستغراق قلبهم بملاحظة ذلك الجلال والانكسار تحت الهيبة والعظمة بحيث لا يبقى فيه مجال للالتفات إلى الغير أصلا ، وجوارحهم معطلة عن الالتفات والتلفّت إلى المباحات فضلا عن المحظورات وإذا تحرّكت بالطاعة كانت كالمستعمل لها فلا تصلح لغيرها ولا يحتاج إلى تدبير في ضبطها على سنن السّداد ، ومن نال هذه المرتبة فقد يغفل عن الخلق حتّى لا يبصرهم ولا يسمع أقوالهم . والطائفة الثّانية الورعين من أصحاب اليمين وهم قوم غلب بعض اطلاعات اللَّه على قلوبهم ولكن لم تدهشهم ملاحظة الجلال ، بل بقيت قلوبهم على الاعتدال متّسعة