حبيب الله الهاشمي الخوئي

234

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

للتّلفت ، إلى الأقوال والأعمال إلَّا أنّها مع مدارستها للعمل لا تخلو عن المراقبة فقد غلب الحياء من اللَّه على قلوبهم فلا يقدمون ولا يجحمون « يحجمون » إلَّا عن تثبّت فيمتنعون عن كلّ أمر فاضح يوم القيامة إذ يرون اللَّه مشاهدا لأعمالهم في الدّنيا كما يرونه مشاهدا في القيامة . ولا بدّ لأهل هذه الدّرجة من المراقبة في جميع حركاته وسكناته ويلزم عليه أن يرصد كلّ خاطر يسنح له ، فإن كان إلهيّا يعجل مقتضاه ، وإن كان شيطانيّا يبادر إلى قمعه ، وإن شكّ فيه توقف إلى أن يظهر له بنور الحقّ من أىّ جانب هو روى في الوسائل عن محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم مسندا عن داود الرّقي عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام في قول اللَّه عزّ وجلّ : * ( وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّه ِ جَنَّتانِ ) * . قال : من علم أنّ اللَّه يراه أو يسمع ما يقول ويعلم ما يفعله من خير أو شرّ فيحجزه ذلك عن القبح من الأعمال فذلك الذي خاف مقام ربّه ونهى النّفس عن الهوى . الخامس قوله ( وخاف ذنبه ) والخوف توقّع حلول مكروه أو فوات محبوب وإذا علق بالذّوات كما تقول خفت اللَّه وخفت زيدا فمعناه توقّع مكروه أو حرمان يقع من جهته وإلَّا فالذّوات لا يتعلَّق بها خوف فمعنى الخوف من الذّنب الخوف ممّا يكون الذّنب سببا له من العقوبة الدّنيويّة أو الأخروية أو نقصان الدّرجة وانحطاط الرّتبة وحرمان الجنّة . قال بعض العلماء : خوف الخائفين من اللَّه قد يكون لأمور مكروهة لذاتها وقد يكون لأمور مكروهة لأدائها إلى ما هو مكروه لذاته . أمّا القسم الأوّل فمثل أن يتمثّل في نفوسهم ما هو المكروه لذاته كسكرات الموت وشدّته أو سؤال القبر أو عذابه أو هول الموقف بين يدي اللَّه تعالى والحياء من كشف السّر والسؤال عن كلّ صغيرة وكبيرة ، أو الخوف عن المرور على الصّراط مع حدّته أو من النّار وأهوالها وأغلالها أو من حرمان الجنّة أو من نقصان الدّرجات فيها أو خوف الحجاب من اللَّه ، وكلّ هذه الأسباب مكروهة في أنفسها ويختلف أحوال