حبيب الله الهاشمي الخوئي

181

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

الفعلة فجاء رجلان معهما آلتهما والتفت إلينا فقال : اجتمعوا كلكم فاركبوا في وقتكم هذا وخذوا معكم الجمل غلاما كان له أسود يعرف بالجمل ، وكان لو حمل هذا الغلام على سكر دجلة لسكرها من شدّته وبأسه ، وامضوا إلى هذا القبر الذي قد افتتن به النّاس ويقولون إنّه قبر عليّ حتّى تنبشوه وتجيبوني بأقصى ما فيه . فمضينا إلى الموضع فقلنا دونكم وما امر به ، فحفر الحفارون وهم يقولون : لا حول ولا قوة إلَّا باللَّه في أنفسهم ونحن في ناحية حتّى نزلوا خمسة أذرع ، فلما بلغوا إلى الصّلابة قال الحفارون : قد بلغنا إلى موضع صلب وليس نقوى بنقره ، فانزلوا الحبشي فأخذ المنقار فضرب ضربة سمعنا لها طنينا شديدا في البرّ ، ثمّ ضرب ثانية فسمعنا طنينا أشدّ من ذلك ، ثمّ ضرب الثالثة فسمعنا أشدّ ممّا تقدّم . ثمّ صاح الغلام صيحة فقمنا فأشرفنا عليه وقلنا للذين كانوا معه : اسألوه ما باله فلم يجبهم ، وهو يستغيث فشدّوه واخرجوه بالحبل فإذا على يده من أطراف أصابعه إلى مرفقه دم هو يستغيث لا يكلَّمنا ولا يحير جوابا ، فحملناه على البغل ورجعنا طائرين . ولم يزل لحم الغلام بنثر من عضده وجنبيه وساير شقّه الأيمن حتّى انتهينا إلى عمّي فقال : أيش ورائكم فقلنا : ما ترى وحدّثناه بالصّورة . فالتفت إلى القبلة وتاب ممّا هو عليه ورجع عن المذهب وتولى وتبرّى وركب بعد ذلك في الليل على مصعب بن جابر فسأله أن يعمل على القبر صندوقا ولم يخبره بشيء ممّا جرى ، ووجّه من طمّ الموضع وعمر الصّندوق عليه ومات الغلام الأسود من وقته . وقال أبو الحسن الحجاج رأينا هذا الصّندوق الذي هذا حديثه لطيفا . أقول : وما ظهر منه عليه السّلام من هذا القبيل فوق حد الاحصاء ولا حاجة إلى الإطالة ، فسبحان من آثر أولياءه بالكرامات الظاهرة والمعجزات القاهرة ، وخصّهم بالمناقب السّنية والمآثر الرّفيعة . * ( إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ ) *