حبيب الله الهاشمي الخوئي

9

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

الحواسّ الظاهرة أو الباطنة وتفطن النفس لمشاركات بين المحسوسات ومبايناتها وظاهر أنّ هذا من الدّنيا في الدّنيا . وأما العمل فلأنّه عبارة عن حركات وسكنات مستلزمة لهيئات مخصوصة وهي إنّما تحصل بواسطة هذا البدن أيضا ، وكلّ ذلك من الدّنيا في الدّنيا ، وكيف كان فهما زادان موصلان إلى اللَّه سبحانه فليتزوّد منهما ( ما تحرزون به أنفسكم غدا ) وتحفظونها من عذاب النّار ومن غضب الجبار . تكملة قد أشرنا إلى أنّ هذه الخطبة مروية في البحار من كتاب مطالب السّؤول ومن إرشاد المفيد ، ولمّا كان رواية الارشاد مختلفة لرواية السّيد أحببنا ذكرها . فأقول : قال في الارشاد : من كلام أمير المؤمنين ما اشتهر بين العلماء وحفظه ذووا الفهم والحكماء : أما بعد فانّ الدّنيا قد أدبرت وآذنت بوداع ، وإنّ الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع ألا وإنّ المضمار اليوم وغدا السّباق ، والسّبقة الجنة والغاية النار ألا وإنكم في أيّام مهل من ورائه أجل يحثّه عجل فمن أخلص للَّه عمله لم يضرّه امله ، ومن أبطأ به عمله في أيام مهله قبل حضور أجله فقد خسر عمله وضرّه أمله . ألا فاعملوا في الرّغبة والرّهبة فان نزلت بكم رغبة فاشكروا للَّه واجمعوا معها رهبة ، وإن نزلت بكم رهبة فاذكرو اللَّه واجمعوا معها رغبة ، فانّ اللَّه قد تأذن للمحسنين بالحسنى ولمن شكر بالزّيادة ولا كسب خير من كسبه ليوم تدّخر فيه الذخائر ويجمع فيه الكباير وتبلى فيه السّرائر . وإنّى لم أركالجنّة نام طالبها ولا مثل النّار نام هاربها ، ألا وإنّه من لا ينفعه اليقين لضرّه الشّك ، ومن لا ينفعه حاضر لبّه ورأيه فغائله عنه أعجز ، ألا وإنكم قد أمرتم بالظَّعن ودللتم على الزّاد وإنّ أخوف ما أخاف عليكم اثنان : اتباع الهوى وطول الأمل ، لأن اتباع الهوى يضدّ عن الحقّ وطول الأمل ينسى الآخرة . وإنّ الدّنيا قد ترحلت مدبرة وانّ الآخرة قد ترحلت مقبلة ولكلّ واحد منهما بنون