حبيب الله الهاشمي الخوئي

49

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضئولة نفسه ، وانقطاع سببه فقصّرته الحال على حاله ، فتحلَّى باسم القناعة ، وتزيّن بلباس أهل الزّهادة ، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى . وبقى رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع ، وأراق دموعهم خوف المحشر ، فهم بين شريد نادّ ، وخائف مقموع ، وساكت مكعوم ، وداع مخلص ، وثكلان موجع ، قد أخملتهم التّقيّة ، وشملتهم الذّلَّة ، فهم في بحر أجاج ، أفواهم ضامزة ، وقلوبهم قرحة ، قد وعظوا حتّى ملَّوا ، وقهروا حتّى ذلَّوا ، وقتلوا حتّى قلَّوا ، فلتكن الدّنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ ، وقراضة الجلم ، واتّعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتّعظ بكم من بعدكم ، وارفضوها ذميمة ، فإنّها قد رفضت من كان أشعف بها منكم . قال السّيد ( ره ) أقول هذه الخطبة ربّما نسبها من لا علم لها إلى معاوية وهي من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام الذي لا شك فيه ، وأين الذّهب من الرّغام والعذب من الأجاج ، وقد دلّ على ذلك الدّليل الخرّيت ونقده النّاقد البصير : عمرو بن بحر الجاحظ ، فانّه ذكر هذه الخطبة في كتاب البيان والتّبيين ، وذكر من نسبها إلى معاوية ، ثمّ قال : هي بكلام عليّ عليه السّلام أشبه وبمذهبه في تصنيف النّاس وفي الاخبار عمّا هم عليه من القهر والاذلال ومن التقية والخوف أليق ، قال : ومتى وجدنا معاوية في حال من الأحوال سلك في كلامه مسلك الزّهاد ومذاهب العبّاد .