حبيب الله الهاشمي الخوئي
61
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
لا يجازي المكلف إلَّا بما نواه ، ولقد كانت نيّته من أطهر النّيات وأخلصها للَّه سبحانه انتهى . وفيه أنّ اقتضاء الطبيعة واستدعاء الغريزة التي جعله معذرة له إن أراد به انه بلغ إلى حيث لم يبق لعمر معه قدرة على إمساك لسانه عن التكلَّم بخلاف ما في ضميره ، بل كان يصدر عنه الذّم في مقام يريد به المدح ، والشّتم في موضع يريد الاكرام ويخرج بذلك عن حدّ التكليف فلا مناقشة في ذلك ، لكن مثل هذا الرّجل يعده العقلاء في زمرة المجانين ، ولا خلاف في أنّ العقل من شروط الإمامة ، وإن أراد أنّه يبقى مع ذلك ما هو مناط التّكليف فذلك ممّا لا يسمن ولا يغني من جوع ، فانّ إبليس استكبر آدم بمقتضى الجبلة النّارية ، ومع ذلك استحقّ النّار وشملته اللعنة إلى يوم الدّين ، والزّاني إنّما يزني بمقتضى شهوته التي جبله اللَّه تعالى عليها ومع ذلك يرجم ولا يرحم هذا ، ( و ) وصف عليه السّلام الحوزة رابعا بأنّها ( يكثر العثار فيها والاعتذار منها ) ومعناه على جعل الحوزة بمعنى الطبيعة واضح أي يكثر العثار في تلك الطبيعة والاعتذار من هذه الطبيعة أو اعتذار صاحبها منها أو الاعتذار من عثراتها وقد مضى في بيان الاعراب احتمال كون من نشويّة وتعليليّة ، وأمّا على تقدير جعلها بمعنى النّاحية فالمعنى ما ذكره بعض الأفاضل عقيب كلامه الذي حكيناه في شرح قوله عليه السّلام : فصيرها في حوزة خشناء ، بما لفظه : فيكثر عثارها أو عثار مطيتها فاحتاجت إلى الاعتذار من عثراتها النّاشئة من خشونة النّاحية وهو في الحقيقة اعتذار من النّاحية ، فالعاثر والمعتذر حينئذ هي الخلافة توسعا . وكيف كان فالغرض من هذه الجملة الإشارة إلى كثرة خطاء عمر في القضايا والأحكام ، وجهالته بالفتاوى وشرايع الاسلام ، ولا باس بالإشارة إلى بعض عثراته ونبذ من جهالاته ويسير من هفواته وزلَّاته . فمنها ما ذكره الشّارح المعتزلي حيث قال : وكان عمر يفتي كثيرا بالحكم ثمّ ينقضه ويفتي بضدّه وخلافه ، قضى في الجدّ مع الاخوة قضايا كثيرة مختلفة ثمّ