حبيب الله الهاشمي الخوئي
190
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
شديدا ، فلمّا رأته أعجبها وأنشأ الجمال يحدثها بقوّته وشدّته ويقول في أثناء كلامه عسكر ، فلمّا سمعت هذه اللفظة استرجعت وقالت ردّوه لا حاجة لي فيه وذكرت حيث سألت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ذكر لها هذا الاسم ونهاها عن ركوبه وأمرت أن يطلب لها غيره فلم يوجد لها ما يشبهه فغير لها بجلال غير جلاله ، وقيل لها قد أصبنا لك أعظم منه خلقا وأشدّ قوّة واتيت به فرضيت . ثمّ إنّه عليه السّلام أوضح متابعتهم للبهيمة بقوله : ( رغا فأجبتم ) فانّ كونهم مجيبين لرغائه شاهد صدق على المتابعة وقد كان الجمل راية أهل البصرة قتلوا دونه كما يقتل الرّجال تحت الرّايات ، وكان كلّ من أراد الجد في الحرب وقاتل قتال مستميت يتقدّم الجمل ويأخذ بخطامه وروى أنّه اخذ الخطام سبعون رجلا من قريش قتلوا كلهم وكان أكثر النّاس حماية له وذبّا عنه بنى ضبّة والأزد . وفي شرح المعتزلي عن المدايني والواقدي أنّه ما حفظ رجز قط أكثر من رجز قيل يوم الجمل ، وأكثره لبني ضبّة والأزد الذين كانوا حول الجمل يحامون عنه ولقد كانت الرؤس تندر عن الكواهل ، والأيدى تطيح من المعاصم ، وأقتاب البطن تندلق من الأجواف ، وهم حول الجمل كالجراد الثابتة لا تزلزل ولا تتحلحل ( 1 ) حتّى لقد صرخ بأعلى صوته ويلكم : اعقروا الجمل فانّه شيطان ، ثمّ قال عليه السّلام اعقروه وإلَّا فنيت العرب لا يزال السّيف قائما وراكعا حتّى يهوى البعير إلى الأرض فعمدوا له حتّى عقروه فسقط وله رغاء شديد فلمّا برك كانت الهزيمة وإليه أشار عليه السّلام بقوله : ( وعقر فهربتم ) . قال أبو مخنف حدّثنا مسلم الأعور عن حبّة العرنيّ قال : فلمّا رأى عليّ عليه السّلام أنّ الموت عند الجمل وأنّه ما دام قائما فالحرب لا يطفأ وضع سيفه على عاتقه وعطف نحوه وأمر أصحابه بذلك ومشى نحوه والخطام مع بني ضبّة فاقتتلوا قتالا شديدا واستحرّ القتل في بني ضبّة فقتل منهم مقتلة عظيمة وخلص عليّ عليه السّلام في جماعة من النخع وهمدان إلى الجمل .
--> ( 1 ) حلحلهم ازالهم عن مواضعهم ق .